تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
العَربة هي عَربة الحرّية ؛ بالرغم من هذه الأغلال وهذه القيود التي وضعت في يديها . أمّا كيف عادت الحرّية قيداً ؟ وكيف أدّى الانطلاق إلى تلك الأغلال التي تجرّ العربة في اتجاهٍ محتوم ، وأفاقت الإنسانية على هذا الواقع المرّ في نهاية المطاف ؟ فهذا كلّه ما قدّره الإسلام قبل أربعة عشر قرناً ، حين لم يكتفِ بتوفير هذا المعنى السطحي من الحرّية للإنسان ، الذي مني بكلِّ هذه التناقضات في التجربة الحياتية الحديثة للإنسان الغربي ، وإنّما ذهب إلى أبعد حدٍّ من ذلك ، وجاء بمفهومٍ أعمق للحرّية ، وأعلنها ثورة لا على الأغلال والقيود بشكلها الظاهري فحسب ، بل على جذورها النفسية والفكرية ، وبهذا كفل للإنسان أرقى وأنزه أشكال الحرّية التي ذاقها الناس على مرِّ التأريخ . ولئن كانت الحرّية في الحضارات الغربية تبدأ من التحرّر لتنتهي إلى ألوانٍ من العبودية والأغلال - كما سنوضّح - فإنّ الحرّية الرَحيبة في الإسلام على العكس ؛ لأنّها تبدأ من العبودية المخلصة للَّه‌تعالى لتنتهي إلى التحرّر من كلّ أشكال العبودية المهينة . يبدأ الإسلام عمليته في تحرير الإنسانية من المحتوى الداخلي للإنسان نفسه ؛ لأنّه يرى أنّ منح الإنسان الحرّية ليس أن يقال له : هذا هو الطريق قد أخليناه لك فسِر بسلام ، وإنّما يصبح الإنسان حرّاً حقيقة ، حين يستطيع أن يتحكّم في طريقه ويحتفظ لإنسانيته بالرأي في تحديد الطريق ورسم معالمه واتّجاهاته . وهذا يتوقّف على تحرير الإنسان قبل كلّ شيءٍ من عبودية الشهوات التي تعتلج في نفسه ؛ لتصبح الشهوات أداةَ تنبيهٍ للإنسان إلى ما يشتهيه ، لا قوةً دافعةً تسخِّر إرادة الإنسان دون أن يملك بإزائها حولًا أو طولًا ؛ لأنّها إذا أصبحت كذلك خسر الإنسان حرّيته منذ بداية الطريق . ولا يغيّر من الواقع شيئاً أن تكون يداه طليقتين