تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
وما نضيفه الآن تعليةً على ذلك هو : أنّ التاريخ نفسه يبرهن على أنّ الأفكار الاجتماعية بشأن تحديد نوعية النظام الأصلح ليست من خلق القوى المنتجة ، بل للإنسان أصالته وإبداعه في هذا المجال بصورةٍ مستقلّةٍ عن وسائل الإنتاج ، وإلّا فكيف تفسِّر لنا الماركسيّة ظهور فكرة التأميم والاشتراكية وملكية الدولة في فتراتٍ زمنيةٍ متباعدةٍ من التأريخ ؟ ! فلو كان الإيمان بفكرة التأميم - بوصفه النظام الأصلح كما يؤمن الإنسان السوفياتي اليوم - نتيجةً لنوعية القوى المنتجة السائدة اليوم فما معنى ظهور الفكرة نفسها في أزمنةٍ سحيقةٍ لم تكن تملك من هذه القوى المنتجة شيئاً ؟ ! أفلم يكن أفلاطون يؤمن بالشيوعية ويتصور مدينته الفاضلة على أساسٍ شيوعي ؟ ! فهل كان إدراكه هذا من معطيات الوسائل الحديثة في الإنتاج التي لم يكن الإغريق يملك منها شيئاً ؟ ! ماذا أقول ؟ بل إنّ الأفكار الاشتراكية بلغت قبل ألفين من السنين من النضج والعمق في ذهنية بعض كبار المفكِّرين السياسيّين درجةً أتاحت لها مجالًا للتطبيق ؛ كما يطبقها الإنسان السوفياتي اليوم مع بعض الفروق . فهذا « وَو - دِي » أعظم الأباطرة الذين حكموا الصين من أسرة ( هان ) ، كان يؤمن في ضوء خبرته وتجاربه بالاشتراكية باعتبارها النظام الأصلح . فقام بتطبيقها عام ( 140 - 187 ق م ) ، فجعل موارد الثروة الطبيعية ملكاً للُامّة ، وأمَّم صناعات استخراج الملح والحديد وعصر الخمر ، وأراد أن يقضي على سلطان الوسطاء والمضاربين في جهاز التجارة ، فأنشأ نظاماً خاصّاً للنقل والتبادل تشرف عليه الدولة ، وسعى بذلك للسيطرة على التجارة ، حتى يستطيع منع تقلّب الأسعار الفجائي . فكان عمّال الدولة هم الذين يتولّون شؤون نقل البضائع وتوصيلها إلى أصحابها في جميع أنحاء البلاد ، وكانت الدولة نفسها تخزن ما زاد من السلع عن