شواهد إضافية .
فالقضية القائلة : « كلّ إنسان فصلت رقبته عن جسده يموت » ، و « كلّ نار حارّة » استقرائية ، ولكنّها بدرجة من الوضوح - نتيجة لامتداد الاستقراء الذي يدعمها ، واستيعابه عدداً هائلًا من الشواهد والحالات المؤيّدة - حتّى ليبدو أنّ وضوحها لا مجال فيه للازدياد . فنحن - عادةً - لا نتعامل مع القضايا الاستقرائية التي هي من هذا النوع في بدايات تكوّنها الذهني ، لكي نستطيع أن ندرك بسهولة مدى ارتباطها بالأمثلة والشواهد ، وإنّما نواجه هذه القضايا - عادةً - بعد أن تكون قد أحرزت درجة كبيرة جدّاً من الوضوح على أساس الأمثلة والشواهد . وفي هذه المرحلة قد لا نلاحظ فرقاً بينها وبين أيّ قضيّة قبلية في عدم ازدياد وضوحها بازدياد الأمثلة والشواهد .
وهناك علامة فارقة أخرى ، وهي : شعور الإنسان بإمكان التنازل عن الاعتقاد المطلق بقضية ما إذا توفّرت بعض القرائن ضدّها : فإذا تحدّث عدد كبير من الثقات عن شخص معيّن رأوا بأنفسهم أنّ رقبته فصلت عن جسده فلم يمت ، بل ظلّ يتكلّم كما كان يتكلّم قبل ذلك ، فمن المحتمل أن توجد شهادات هؤلاء الثقات احتمالًا - ولو ضئيلًا - لصدق هذه الحادثة بصورة استثنائية . ولكنّنا مهما نفترض من شهادات ثقات بأ نّهم رأوا بأعينهم شيئاً موجوداً ومعدوماً في نفس الوقت ، لا نجد في أنفسنا أي استعداد لتقبّل احتمال ذلك .
وتوجد علامة فارقة ثالثة ، وهي : أنّ القضية الاستقرائية مهما كان الاستقراء الذي يدعمها شاملًا ، لا يمكن أن تكون قضية مطلقة صادقة على أيّ عالم من العوالم المفترضة ، وإنّما يختصّ صدقها بالعالم الخارجي المعاش الذي وقع الاستقراء فيه ، بينما تتمتّع القضية الأوّلية القبلية بصدق مطلق لا يختصّ بهذا العالم ، بل يمتدّ إلى أيّ عالم يمكن افتراضه .
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 ) — صفحة 542
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٥٤٢