تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
فلماذا لا يتذكّران الآن جميع أحاديثهما التي تبادلاها ؟ ! ولماذا لا تقوم تلك الأحاديث بدور التنبيه والاستثارة ؟ ! ومثال آخر : تخرج من البيت وقد وضعت رسالة في حقيبتك ، عازماً على وضعها في صندوق البريد ، وأنت تتّجه نحو المدرسة ، فتصادف في طريقك صندوقاً للبريد ، فتدرك فوراً أنّ الكتاب لا بدّ من وضعه فيه ، فتضعه فيه . ثمّ قد تمرّ بعد ذلك على عدّة صناديق للبريد فلا تسترعي انتباهك مطلقاً ، فما هو المنبّه المثير لإدراكك عند رؤية أوّل صندوق للبريد ؟ ! وقد تقول : إنّ المثير هو رؤية الصندوق نفسه ، باعتبار أنّك أشرطته بالمنبّه الطبيعي ، فهو منبّه شرطي . ولكن كيف نفسّر غفلتنا عن الصناديق الأخرى ؟ ! ولماذا زال الإشراط فوراً بمجرّد قضاء حاجتنا ؟ ! ففي ضوء الأمثلة تعرف أنّ الفكر نشاط إيجابي فعّال للنفس ، وليس رهن ردود الفعل الفيزيولوجية ، كما أنّه ليس هو الواقع المباشر للّغة ، كما زعمت الماركسية ، بل اللغة أداة لتبادل الأفكار ، وليست هي المكوّنة لتلك الأفكار ، ولذا قد نفكّر في شيء ، ونفتّش طويلًا عن اللفظ المناسب له ؛ للتعبير به عنه ، وقد نفكّر في موضوع ، في نفس الوقت الذي نتكلّم فيه عن موضوع آخر « 1 » . فالحياة الاجتماعية والظروف المادّية - إذن - لا تحدّد أفكار الناس
هامش
( 1 ) وقد قمنا في دراستنا الموسّعة للمادّية التأريخية في كتاب ( اقتصادنا ) بنقد مستوعب لنظريات الماركسية عن الإدراك البشري من ناحية علاقته بالظروف الاجتماعية والمادّية ، وتفسيره على أساس الظروف الاقتصادية ، كما تناولنا بتفصيل الرأي الماركسي القائل : بانبثاق الفكر من اللغة وارتباطه بها . ولأجل هذا نكتفي هنا بما جاء في الطبعة الأولى من هذا الكتاب استغناءً بدراستنا الموسّعة في الحلقة الثانية ( اقتصادنا ) . ( المؤلّف قدس سره )