تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
الإدراك تفسيراً كاملًا - أن نؤمن بالعقل ودوره الإيجابي الفعّال وراء الانفعالات والاستجابات العصبية التي تثيرها المنبّهات . ولنأخذ الإدراك الحسّي مثلًا ، فقد أثبتت تجارب الجشطالت أنّ رؤيتنا لألوان الأشياء وخصائصها تعتمد إلى حدّ بعيد على الموقف العام الذي نجابهه في إبصارنا ، وعلى الأرضية التي تحيط بتلك الأشياء ، فقد نرى الخطّين متوازيين أو متساويين ضمن مجموعة من الخطوط ، نواجهها كموقف وكلّ مترابط الأجزاء ، ثمّ نراهما ضمن مجموعة أخرى غير متوازيين أو متساويين ؛ لأنّ الموقف العام الذي يواجهه إدراكنا البصري اختلف عن الموقف السابق ، وهذا يوضح : أنّ إدراكنا ينصبّ أوّلًا على الكلّ ، وندرك الأجزاء بأبصارنا ضمن إدراكنا للكلّ ، ولذا يختلف إدراكنا الحسّي للجزء باختلاف الكلّ أو المجموع الذي يندرج فيه . فهناك - إذن - نظام للعلاقات بين الأشياء يفرزها إلى مجاميع ، ويحدّد لكلّ شيء موضعه من مجموعته الخاصّة ، ويطوّر نظرتنا إليه تبعاً للمجموعة التي ينتمي إليها ، وإدراكنا للأشياء ضمن هذا النظام لا يقبل التفسير السلوكي ، ولا يمكن القول : بأ نّه استجابة مادّية وحالة جسمية ناشئة من منبّه خاصّ ؛ إذ لو كان حالة جسمية وظاهرة مادّية منبثقة عن الدماغ ، لما أتيح لنا أن ندرك الأشياء بأبصارنا ككلّ منظّم ترتبط أجزاؤه ارتباطاً خاصّاً - حتّى إنّ إدراكنا لها يختلف إذا أبصرناها ضمن علاقات أخرى - لأنّ جميع ما يصل إلى الدماغ في الإدراك يتأ لّف من مجموعة من الرسائل ترد إلى المخّ من مختلف أعضاء الجسم مجزّأة ضمن عدد من الدوافع العصبية المتفرّقة ، فكيف أتيح لنا أن ندرك نظام العلاقات بين الأشياء ؟ وكيف أتيح للإدراك أن ينصبّ أوّلًا على الكلّ ، فلا ندرك الأشياء إلّا ضمن كلّ مترابط بدلًا عن إدراك الأشياء متفرّقة كما تنتقل إلى الدماغ ؟ كيف أمكن ذلك كلّه لو لم يكن هناك دور إيجابي فعّال للعقل وراء الانفعالات