كما يمكن أن يكون متّصلًا ، كذلك يمكن أن يكون محتوياً على فراغ تتخلّله أجزاء دقيقة .
وأمّا الجانب الفلسفي في نظرية ديمقريطس ، فلا تمسّه الكشوف العلمية بشيء ، ولا تبرهن على صحّته ، بل تبقى مسألة وجود مادّة أبسط من المادّة العلمية في ذمّة الفلسفة ، بمعنى : أنّ الفلسفة يمكنها أن تأخذ أعمق مادّة توصّل إليها العلم في الميدان التجريبي ، وهي الذرّة ومجموعتها الخاصّة ، فتبرهن على أنّها مركّبة من مادّة أبسط وصورة . ولا يتناقض ذلك مع الحقائق العلمية ؛ لأنّ هذا التحليل والتركيب الفلسفي ليس ممّا يمكن أن يظهر في الحقل التجريبي .
وكما أخطأ هؤلاء في زعمهم أنّ التجارب العلمية تدلّل على صحّة النظرية بكاملها ، مع أنّها متّصلة بجانبها العلمي فقط ، كذلك أخطأ عدّة من الفلاسفة الأقدمين الذين رفضوا الجانب الفلسفي من النظرية ، فعمّموا الرفض للناحية العلمية أيضاً ، وادّعوا - من دون سند علمي أو فلسفي - أنّ الأجسام متّصلة ، وأنكروا الذرّة والفراغ في محتواها الداخلي .
والموقف الذي يجب أن نقفه في المسألة هو : أن نقبل الجانب العلمي من النظرية ، الذي يؤكّد أنّ الأجسام ليست متّصلة ، وأ نّها مركّبة من ذرّات دقيقة إلى الغاية ؛ فإنّ هذا الجانب قد كشفت عنه الفيزياء الذرّية بصورة لا تدع مجالًا للشكّ .
وأمّا الجانب الفلسفي من النظرية القائل ببساطة تلك الوحدات التي تكشف عنها الفيزياء الذرّية ، فنرفضه ؛ لأنّ الفلسفة تبرهن على أنّ الوحدة التي تكشف عنها الفيزياء - مهما كانت دقيقة - مركّبة من صورة ومادّة . ونطلق على هذه المادّة اسم المادّة الفلسفية ؛ لأنّها المادّة الأبسط التي يثبت وجودها بطريقة فلسفية لا علمية . وقد حان لنا الآن أن ندرس هذه الطريقة الفلسفية .
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 385
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٣٨٥