تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤

تصحيح أخطاء :

وعلى ضوء ما سبق يمكن أن نعرف أنّ النظرية الذرّية ل ( ديمقريطس ) - القائلة بأنّ أصل العالم عبارة عن ذرّات أصلية لا تتجزّأ - لها جانبان : أحدهما علمي ، والآخر فلسفي . فالجانب العلمي هو : أنّ بنية الأجسام مركّبة من ذرّات صغيرة ، يتخلّل بينها الفراغ ، وليس الجسم كتلة متّصلة ، وإن بدا لحواسنا كذلك ، وتلك الوحدات الصغيرة هي مادّة الأجسام جميعاً . والجانب الفلسفي هو : أنّ ديمقريطس زعم أنّ تلك الوحدات والذرّات ليست مركّبة من مادّة وصورة ؛ إذ ليست لها مادّة أعمق وأبسط منها ، فهي المادّة الفلسفية ، أي : أعمق وأبسط مادّة للعالم . وقد اختلط هذان الجانبان من النظرية على كثير من المفكّرين ، فبدا لهم أنّ عالم الذرّة الذي كشفه العلم الحديث بالأساليب التجريبية ، يبرهن على صحّة النظرية الذرّية . فلم يعد من الممكن تخطئة ( ديمقريطس ) في تفسيره للأجسام - كما خطّأه الفلاسفة السابقون - بعد أن تجلّى للعلم عالم الذرّة الجديد ، وإن اختلف التفكير العلمي الحديث عن تفكير ديمقريطس في تقدير حجم الذرّة وتصوير بنيتها . ولكن الواقع : أنّ التجارب العلمية الحديثة عن الذرّة إنّما تثبت صحّة الجانب العلمي من نظرية ديمقريطس ، فهي تدلّ على أنّ الجسم مركّب من وحدات ذرّية ، ويشتمل على فراغ يتخلّل بين تلك الذرّات ، وليس متّصلًا كما يصوّره الحسّ لنا . وهذه هي الناحية العلمية من النظرية التي يمكن للتجربة أن تكشف عنها . وليس للفلسفة كلمة في هذا الموضوع ؛ لأنّ الجسم من ناحية فلسفية