تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
بالذات ، غني بنفسه ، وغير محتاج إلى سبب ؛ لأنّ هذا هو ما يحتّمه تطبيق مبدأ العلّية على العالم بموجب قوانينها السالفة الذكر ؛ فإنّ العلّية بعد أن كانت مبدأً ضرورياً للكون ، وكان تسلسلها اللانهائي مستحيلًا ، فيجب أن تطبّق على الكون تطبيقاً شاملًا متصاعداً حتّى يقف عند علّة أولى واجبة . ولا بأس أن نشير في ختام هذا البحث إلى لون من التفكير المادّي في هذا المجال ، تقدّم به بعض الكتّاب المعاصرين للردّ على فكرة السبب الأوّل أو العلّة الأولى ، فهو يقول : إنّ السؤال عن العلّة الأولى لا معنى له ، فالتفسير العلّي - أو السببي - يستلزم - دائماً - حدّين اثنين مرتبطاً أحدهما بالآخر ، هما العلّة والمعلول ، أو السبب والمسبّب ، فعبارة ( علّة أولى ) فيها تناقض في الحدود ؛ إذ أنّ كلمة : ( علّة ) تستلزم حدّين كما رأينا ، لكن كلمة : ( أولى ) تستلزم حدّاً واحداً ، فالعلّة لا يمكن أن تكون ( أولى ) وتكون ( علّة ) في نفس الوقت ، فإمّا أن تكون أولى دون أن تكون علّة ، أو بالعكس « 1 » . ولا أدري من قال له : إنّ كلمة : ( علّة ) تستلزم علّة قبلها . صحيح : أنّ التفسير السببي يستلزم - دائماً - حدّين هما : العلّة والمعلول ، وصحيح : أنّ من التناقض أن نتصوّر علّة بدون معلول ناتج عنها ؛ لأنّها ليست - عندئذٍ - علّة ، وإنّما هي شيء عقيم ، وكذلك من الخطأ أن نتصوّر معلولًا لا علّة له ، فكلّ منها يتطلّب الآخر إلى جانبه ، ولكن العلّة بوصفها علّة ، لا تتطلّب علّة قبلها ، وإنّما تتطلّب معلولًا ، فالحدّان متوفّران معاً في فرضية ( العلّة الأولى ) ؛ لأنّ العلّة الأولى لها معلولها الذي ينشأ منها ، وللمعلول علّته الأولى ؛ فكما لا يتطلّب المعلول دائماً معلولًا ينشأ منه - إذ قد تتولّد ظاهرة من سبب ولا يتولّد عن الظاهرة شيء جديد - كذلك العلّة لا تتطلّب علّة فوقها ، وإنّما تتطلّب معلولًا لها .
هامش
( 1 ) المسألة الفلسفيّة ، الدكتور محمّد عبد الرحمن مرحبا : 80
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 364 | السيد محمد باقر الصدر