تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
انتهينا من الجزء السابق إلى نتيجة ، هي : أنّ المردّ الأساسي الأعمق للكون والعالم - بصورة عامة - هو العلّة الواجبة بالذات التي ينتهي إليها تسلسل الأسباب . والمسألة الجديدة هي : أنّ هذه العلّة الواجبة بالذات التي تعتبر الينبوع الأوّل للوجود ، هل هي المادّة نفسها ، أو شيء آخر فوق حدودها ؟ وبالصيغة الفلسفية للسؤال نقول : إنّ العلّة الفاعلية للعالم ، هل هي نفس العلّة المادّية أو لا ؟ ولأجل التوضيح نأخذ مثالًا ، وليكن هو الكرسي . فالكرسي عبارة عن صفة أو هيئة خاصّة ، تحصل من تنظيم عدّة أجزاء مادّية تنظيماً خاصّاً ، ولذلك فهو لا يمكن أن يوجد دون مادّة من خشب أو حديد ونحوهما . وبهذا الاعتبار يُسمّى الخشب علّة مادّية للكرسي الخشبي ؛ لأنّه لم يكن من الممكن أن يوجد الكرسي الخشبي من دون الخشب . ولكن من الواضح جدّاً : أنّ هذه العلّة المادّية ليست هي العلّة الحقيقية التي صنعت الكرسي ؛ فإنّ الفاعل الحقيقي للكرسي شيء غير مادّته ، وهو النجّار . ولذا تطلق الفلسفة على النجّار اسم العلّة الفاعلية . فالعلّة الفاعلية للكرسي ليست هي نفس علّته المادّية من الخشب أو الحديد . فإذا سُئلنا عن مادّة الكرسي ، أجبنا أنّ مادّته هي الخشب ، وإذا سئلنا عن الصانع له ( العلّة الفاعلية ) ، لم نجب بأ نّه الخشب ، وإنّما نقول : إنّ النجّار صنعه بآلاته ووسائله
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 367 | السيد محمد باقر الصدر