المشكلة ، إنّما هو : مبدأ العلّية « 1 » ، باعتباره دليلًا على تعميم الاستنتاج وشموله . فلو افترضنا أنّ مبدأ العلّية نفسه مرتكز على التجربة ، فمن الضروري أن نواجه مشكلة العموم والشمول مرّة أخرى ؛ نظراً إلى أنّ التجربة ليست مستوعِبة للكون ، فكيف تعتبر دليلًا على نظرية عامّة ؟ ! وقد كنّا نحلّ هذه المشكلة - حين نواجهها في مختلف النظريات العلمية - بالاستناد إلى مبدأ العلّية ، بصفته الدليل الكافي على عموم النتيجة وشمولها . وأمّا إذا اعتبر نفس هذا المبدأ تجريبياً ، وواجهنا المسألة فيه ، فسوف نعجز نهائياً عن الجواب عليه . فلا بدّ - إذن - أن يكون مبدأ العلّية فوق التجربة ، وقاعدة أساسية للاستنتاجات التجريبية عامّة .
ج - أنّ مبدأ العلّية لا يمكن الاستدلال على ردّه بأيّ لون من ألوان الاستدلال ؛ لأنّ كلّ محاولة من هذا القبيل تنطوي ضمناً على الاعتراف به ، فهو - إذن - ثابت بصورة متقدّمة على جميع الاستدلالات التي يقوم بها الإنسان .
وخلاصة هذه النتائج : أنّ مبدأ العلّية ليس مبدأً تجريبياً ، وإنّما هو مبدأ عقلي ضروري .
وعلى هذا الضوء يمكننا أن نضع الحدّ الفاصل بين الميكانيكية والديناميكية ، وبين مبدأ العلّية ومبدأ الحرّية ؛ فإنّ التفسير الميكانيكي للعلّية كان يقوم على أساس اعتبارها مبدأً تجريبياً ، فهي ليست في رأي الميكانيكية المادّية إلّارابطة مادّية ، تقوم بين ظواهر مادّية في الحقل التجريبي ، وتستكشف بالوسائل العلمية . ولأجل ذلك كان من الطبيعي أن تنهار العلّية
هامش
( 1 ) بل الحلّ الوحيد لها - حسب ما انتهى إليه السيّد المؤلّف رحمه الله في كتابه « الأسس المنطقيّة للاستقراء » - هو الإيمان بطريقة التوالد الذاتي للمعرفة ، كما أشرنا إليه سابقاً . ( لجنة التحقيق )