تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
السؤال الثالث - إذا لم تكفِ التجربة العلمية بذاتها للبرهنة على المفهوم الإلهي والمادّي على السواء ، فهل يمكن للفكر البشري أن يستدلّ على أحد المفهومين ما داما معاً خارجين عن النطاق التجريبي ؟ أو إنّه يصبح مضطراً إلى الاستسلام للشكّ ، وتجميد مسألة الإلهية والمادّية ، والانصراف إلى المجال العلمي المثمر ؟ والجواب : أنّ القدرة الفكرية للبشر كافية لدرس هذه المسألة ، والانطلاق فيها من التجربة ذاتها ، ولكن لا على أن تكون التجربة هي الدليل المباشر على المفهوم الذي نكوّنه عن العالم ، بل تكون التجربة نقطة الابتداء ، ويوضع المفهوم الفلسفي الصحيح للعالم - وهو المفهوم الإلهي - على ضوء تفسير التجربة والظواهر التجريبية ، بالمعلومات العقلية المستقلّة . ولا بدّ أنّ القارئ يتذكّر دراستنا - في نظرية المعرفة ( المسألة الأولى ) - للمذهب العقلي ، وكيف أوضحنا بالبرهان وجود معارف عقلية مستقلّة ، على شكل تبيّن أنّ إضافة معارف عقلية إلى التجربة أمر ضروري لا في مسألتنا الفلسفية فحسب ، بل في جميع المسائل العلمية . فما من نظرية علمية ترتكز على أساس تجريبي بحت ، وإنّما تقوم على أساس التجربة ، وعلى ضوء المعلومات العقلية المستقلّة . فلا تختلف قضيّتنا الفلسفية التي تتناول البحث عمّا وراء عالم الطبيعة ، عن كلّ قضية علمية تبحث عن أحد قوانين الطبيعة ، أو تكشف شيئاً من قواها وأسرارها . فالتجربة في جميع ذلك نقطة الانطلاق ، وهي مع ذلك بحاجة إلى تفسير عقلي لتستنتج منها الحقيقة الفلسفية أو العلمية « 1 » .
هامش
( 1 ) وقد أشرنا في بحث ( نظريّة المعرفة ) إلى أنّ السيّد المؤلّف قدس سره توصّل بعد تأليفه لهذا الكتاب إلى مذهب جديد للمعرفة في مقابل المذهب العقلي والتجريبي ، وهو المذهب الذاتي للمعرفة ، وفي ضوء هذا المذهب وإن كنّا بحاجة إلى ضمّ بعض المعارف العقليّة التي لا مناص عنها إلى التجربة ، كالمعرفة العقليّة القائلة باستحالة اجتماع النقيضين ، ولكن يمكن أن ينتقل الذهن - في ضوء المذهب المذكور - من استقراء الموضوعات الجزئيّة الخاضعة للتجربة إلى قواعد وقوانين عامّة ، بحيث يكون السير الفكري فيها من الخاصّ إلى العامّ ، ولا حاجة فيها إلى ضمّ المعارف العقليّة القبليّة التي تحوّل السير الفكري فيها من العامّ إلى الخاصّ ، كما يدّعيه أصحاب المذهب العقلي للمعرفة . ( لجنة التحقيق )
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 240 | السيد محمد باقر الصدر