تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
جواب واحد ، وهو الجواب الذي يقدّمه المذهب العقلي القائل : بأنّ تلك الانعكاسات للمبادئ الرياضية في الذهن البشري لمّا كانت فطرية وضرورية فهي مضمونة الصحّة بصورة ذاتية ، فالحقائق الرياضية ممكنة المعرفة لا لأنّنا نحن نخلقها ، بل لأنّنا نعكسها في علوم فطرية ضرورية . الثاني - أنّ ( كانت ) يعتبر القوانين المتأصّلة في العقل البشري قوانين للفكر ، وليست انعكاسات علمية للقوانين الموضوعية التي تتحكّم في العالم وتسيطر عليه بصورة عامّة ، بل لا تعدو أن تكون مجرّد روابط موجودة في العقل بالفطرة ينظّم بها إدراكاته الحسّية . وقد سبق أنّ هذا الخطأ هو الذي نتج عنه القول بنسبية الحقائق المدرَكة عن عالم الطبيعة ، والقول بتعذّر درس الميتافيزيقا دراسة عقلية ، وعدم إمكان إقامتها على أساس تلك الإدراكات العقلية الفطرية ؛ لأنّها مجرّد روابط ينظّم العقل بها إدراكاته الحسّية ، وليست لدينا إدراكات فيما يخصّ موضوعات الميتافيزيقا لتنظم بتلك الروابط . والانسياق مع المذهب النقدي هذا يؤدّي إلى المثالية حتماً ؛ لأنّ الإدراكات الأوّلية في العقل إذا كانت عبارة عن روابط معلّقة تنتظر موضوعاً لتظهر فيه ، فكيف يتاح لنا أن نخرج من التصوّرية إلى الموضوعية ؟ ! وكيف نستطيع أن نثبت الواقع الموضوعي لأحاسيسنا المختلفة ، أي : ظواهر الطبيعة التي يعترف بموضوعيّتها ( كانت ) ؟ ! فنحن نعلم أنّ طريق إثبات الواقع الموضوعي للإحساس هو : مبدأ العلّية الذي يحكم بأنّ كلّ انفعال حسّي لا بدّ أن ينبثق عن سبب أثار ذلك الانفعال الخاصّ ، فإذا رجعت العلّية في مفهوم ( كانت ) إلى رابطة بين الظواهر المحسوسة ، فهي عاجزة بطبيعة الحال عن القيام بأيّ وظيفة أكثر من الربط بين إحساساتنا وما يبدو فيها من ظاهرات ، ومن حقّنا - حينئذٍ - أن نسأل ( كانت ) عن المبرّرات الفلسفية في نظره للاعتقاد بواقع موضوعي للعالم