مقتضاه ، فقد منعناه من الحكم بالدليل الذي ظهر له ولباقي الأمة معه ، وأوجبنا
عليه الحكم بما يخالف ذلك ، ويقطع ببطلانه ، وهو محال . وإن لم نمنعه من العمل
به ، فقد حصل الوفاق منهم بعد الخلاف ، وهو المطلوب .
قلنا : لو ظهر له ما ظهر للأمة فنحن لا نحيل عليه الرجوع إليه ، ولكنا نقول
باستحالة ظهوره عليه ، لا من جهة العقل ، بل من جهة السمع ، وهو ما يفضي إليه
من تعارض الاجماعين ، ولزوم الخطأ في أحدهما ، كما بيناه في المسألة المتقدمة .
ولا فارق بينهما إلا من جهة أن أهل الاجماع في هذه المسألة هم الراجعون بأعيانهم
عما أجمعوا عليه ، والمخالفون لأنفسهم بخلاف المسألة الأولى ، وأن المخالف في
المسألة الأولى قد يتوهم أن بعض الأمة الخائضين في تلك المسألة التي اتفقوا عليها ،
وفي هذه المسألة المجمعون هم كل الأمة . ولذلك كان الاشكال في هذه المسألة
أعظم منه في الأولى .
وعلى هذا ، نقول إنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين ، ثم مات أحد
القسمين ، وبقي القسم الآخر فإنه لا يكون قولهم إجماعا مانعا من الاخذ بالقول
الآخر . والوجه في تقريره ما سبق ، وإن خالف فيه قوم .
المسألة الثالثة والعشرون
هل يمكن وجود خبر أو دليل ، ولا معارض له ، وتشترك الأمة في عدم العلم به ؟
اختلفوا فيه : فمنهم من جوزه ، مصيرا منه إلى أنهم غير مكلفين بالعمل بما لم
يظهر لهم ، ولم يبلغهم ، فاشتراكهم في عدم العلم به لا يكون خطأ ، فإن عدم العلم ليس
من فعلهم ، وخطأ المكلف من أوصاف فعله .
ومنهم من أحاله ، مصيرا منه إلى أنهم لو اشتركوا في عدم العلم به ، لكان
ذلك سبيلا لهم ، ولوجب على غيرهم اتباعه ، وامتنع تحصيل العلم به ، لقوله تعالى :
* ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) * الآية .
الاحكام — صفحة 279
مساهمون: الآمدي
ص٢٧٩