وعن الثالث : أن الآية إنما وردت في معرض التقرير لهم ، والحث على مثل هذه
الدعوات . فكان الاحتجاج بذلك لا بقولهم .
وعن الرابع : أنه وإن كان كل تكليف عندنا تكليفا بما لا يطاق ، غير أنه يجب
تنزيل السؤال على ما لا يطاق ، وهو ما يتعذر الاتيان به مطلقا في عرفهم ، دون ما
لا يتعذر لما فيه من إجراء اللفظ على حقيقته ، وموافقة أهل العرف في عرفهم
غايته إخراج ما لا يطاق مما هو مستحيل في نفسه لذاته من عموم الآية لما ذكرنا
من استحالة التكليف به ، وامتناع سؤال الدفع للتكليف بما لا تكليف به ، ولا يخفى
أنه تخصيص ، والتخصيص أولى من التأويل .
وعن المعارضة بالآيتين أن غايتهما الدلالة على نفي وقوع التكليف بما لا يطاق .
ولا يلزم من ذلك نفي الجواز المدلول عليه من جانبنا ، كيف وإن الترجيح لما ذكرناه من
الآية لاعتضادها بالدليل العقلي على ما يأتي ، ومع ذلك فلا خروج لها عن الظن والتخمين .
وربما احتج بعض الأصحاب بقوله تعالى : * ( يوم يكشف عن ساق ويدعون
إلى السجود فلا يستطيعون ) * ( 68 ) القلم : 42 ) وهو تكليف بالسجود مع عدم الاستطاعة ، وإنما يصح
الاحتجاج به أن لو أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة بمعنى التكليف ، وليس كذلك
للاجماع على أن الدار الآخرة إنما هي دار مجازاة ، لا دار تكليف .
وأما من جهة المعقول ، فقد احتج فيه بعضهم بحجج واهية :
الأولى منها : هو أن الفعل المكلف به إن كان مع استواء داعي العبد إلى الفعل
والترك ، كان الفعل ممتنعا لامتناع حصول الرجحان معه ، وإن كان مع الترجيح لاحد
الطرفين ، كان الراجح واجبا ، والمرجوح ممتنعا ،
الثانية : أن الفعل الصادر من العبد إما أن والتكليف بهما يكون محالا يكون العبد متمكنا من فعله وتركه ،
أو لا يكون . فإن لم يكن متمكنا منه ، فالتكليف له بالفعل يكون تكليفا بما لا
يطاق ، وإن كان متمكنا منه ، فإما أن لا يتوقف ترجح فعله على تركه على مرجح ،
الاحكام — صفحة 138
مساهمون: الآمدي
ص١٣٨