لقد اقتبس يعقوب بن طارق والخوارزمي ، اللذان ورد ذكرهما سابقاً ، حلًّا هندياً يستند إلى الوقت المنقضي بين غروب الشمس وغياب القمر ، أي على القوس
AM
في الشكل السابق [
E . S . Kennedy ( 1983 ) , P . 151 - 163 ] .
بالنسبة إليهما ، يكون القمر مرئياً في اليوم المعيّن ، إذا بيَّن الحساب أنّ هذه القوس تساوي على الأقل 12 درجة ، أي ما يعادل 48 دقيقة بين غروب الشمس وغياب القمر .
لقد اتّبع حبش الحاسب التقليد الذي ابتكره بطلميوس لدراسة رؤية النجوم الثابتة والكواكب على الأفق . لم يتعرّض بطلميوس قطّ لمسألة رؤية هلال القمر ، لكنّ دراسته لرؤية الكواكب الأخرى ، عند بزوغها أو غيابها ، استندت كلها على ضيائية الجو على الأفق ، أي على " قوس انحطاط الشمس تحت الأفق " قبل شروقها أو بعد غروبها ، وهي
OH
في الشكل السابق . وحدّد القيمة التي يجب أن تأخذها القوس ليكون كوكب معيّن مرئياً على الأفق ، وقد سميّت هذه القوس لاحقاً في التقليد اللاتيني "
arc visionus "
أي قوس الرؤية . وقد اقتبس حبش الحاسب هذا المفهوم وطبّقه على حالة القمر ؛ فتوصّل ، بعد أرصادٍ وحسابات ، إلى أنّ قوس انحطاط الشمس تحت الأفق ، أو قوس رؤية الهلال ، أي
OH
، ينبغي أن تكون قيمتها على الأقل مساوية لعشر درجات ، ليكون الهلال مرئياً بعد غروب الشمس في اليوم التاسع والعشرين من الشهر القمري .
بقي هذا الاستدلال الذي قام به حبش الحاسب معتمداً ، وقد اقتبسه البيروني بعد قرنين من الزمن ، واستشهد به العديد من الكتاب اللاحقين باعتباره إحدى الطرق النموذجية في مقاربة مسألة رؤية الهلال الصعبة .
وهكذا ظهر حبش الحاسب كراصد أعاد قراءة " المجسطي " للتحقق من نتائجه ، متابعاً بذلك العمل الذي ابتدأ في عهد المأمون في إطار الفريق الذي وضع " الزيح الممتحَن " . الّا أنّ عمله ذهب أبعد مما قام به الذين سبقوه مباشرة ، لأنّه كيَّف بعض استدلالات بطلميوس وطوّرها بعد أن استوعبها تماماً ، لكنّه مع ذلك لم يغيّر براهين بطلميوس النظرية ؛ لقد قام بمهمّة التغيير هذه كاتب آخر ، كما سنرى في الفقرة التالية .
ترييض الاستدلالات في علم الفلك .
سنعرض هنا مثالًا وحيداً عن ترييض الاستدلالات في علم الفلك ، مأخوذاً من أعمال ثابت بن قرة .
وُلد هذا الكاتب على الأرجح في العام 211 ه - / 826 م وتوفي في العام 288 ه - / 901 م ، ويرجِع أصله إلى حرّان في بلاد ما بين النهرين ؛ كانت السريانية لغته الأم ، وكان يُتقِن اليونانية إتقاناً تاماً ، وكانت العربية لغة عمله [
Rashed ( 1996 ) , P . 139 - 145 ] .
وقد وضع ، وهو في عداد فريق بني موسى في بغداد ، أعمالًا أصيلة في جميع العلوم المعروفة في ذلك الوقت ، واشتهر بخاصة كعالم في الرياضيات ، وألّف ما بين ثلاثين وأربعين كتاباً في علم الفلك ، نُقل منها تسعة فقط باسمه . وكتابه الذي سنعرضه هنا ، يُعالِج الدراسة النظرية لحركة كوكب ما على دائرة مختلفة المركز ، وعنوانه " إبطاء الحركة الظاهرة وسرعتها في فلك البروج بحسب المواضع التي تكون فيها من الفلك الخارج المركز " [
Th
ع
bit .