استقبال العلم العربي في أوروبا
هيلين بلّوستا
( Helene Bellosta )
« 1 »
كانت أوروبا قبل القرن الثاني عشر شبه صحراء على المستوى العلمي ، بالمقارنة مع العالم الإسلامي . وكانت المراجع العلمية حتى نهاية العصور القديمة ، وبشكل خاص تلك المتعلقة بالرياضيّات ، مكتوبة باليونانية ، باستثناء بعض الأعمال التي كان هدفها الأساسي تطبيقي ، مثل مؤلفات المسّاحين الرومانيين .
لم تترجم إذاً ، النصوص الرياضيّة إلى اللاتينية في العصور القديمة . وإذا حصل ذلك في أواخر نهاية تلك العصور ، فقد تمثل في ترجمة لاتينية وضعها بُواس
( Boece ) ( 480 - 525
م ) لمؤلَّف " الأصول " لأقليدس ؛ إلا أننا لا نعرف عن هذه الترجمة سوى الاستشهادات التي أوردها كاسيودور
( Cassiodore ) (
تلميذ بواس المولود في العام 475 م ) في مؤلّفه " الموسوعة "
( Encyclopedie )
؛ وما وصلنا منها ، بصيغة مشوهة للغاية ، لا يتضمن سوى التعريفات والموضوعات والمصادرات ، إضافة إلى غالبية القضايا الواردة في الكتب الأربعة الأولى من " الأصول " ، بدون تقديم أية براهين لها . وهكذا ، عندما أصبحت اللغة اللاتينية لغة الثقافة الأوروبية كلّها ، انطلاقاً من القرن السادس للميلاد ، فإنّها كانت خالية أو شبه خالية من العلم اليوناني - الهِيللينستي . أمّا النهضة التي قادتها السلالة الكارولنجية في القرن التاسع للميلاد ، فقد كان ميدانها الأساسي الآداب والفنون ؛ وقد أدّت تلك النهضة إلى ازدهار فقه اللغة واللاهوت ، لكنّ العلوم بقيت مقتصرة على أعمال بدائيّة في علم الفلك وحساب الأعياد . وظهرت بعض الومضات العلميّة ابتداءً من القرن العاشر ، بخاصة مع جيربير دوريّاك
( Gerbert d'Aurillac ) (
بين العامين 945 - 1003 م ، تقريباً ) الذي قدم إسهاماً بارزاً في ميدان الحساب بواسطة " اللوحة الحسابيّة " « 2 » ، وعرّف العالم اللاتيني على الأسطرلاب ، مستنداً في ذلك إلى ثقافة رياضيّة نسبية اكتسبها في كاتالونيا من خلال الاحتكاك مع العالم العربي . ولكن ، كان لا بدّ من انتظار نهاية القرن الحادي عشر ليبدأ تأثير العلم العربي بالظهور فعلًا بواسطة بعض المؤلّفات في الأسطرلاب ؛ إلّا أنّ آثار الأعمال الرياضيّة العديدة المعدّة في العالم الإسلاميّ ابتداءً من القرن التاسع « 3 » ، لم تظهر عمليّاً في المؤلفات اللاتينية قبل القرن الثاني عشر .
هامش
( 1 ) باحثة في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا .
ترجمة د . نزيه المرعبي ، مراجعة الترجمة د . نقولا فارس ( " فريق الدراسة والبحث في التراث العلمي العربي " ، فريق ملحق بالمجلس الوطني للبحوث العلميّة لبنان ) .
( 2 ) اللوحة المعروفة بال -Abaque، ويسمّيها البعض " العدّادة " ، التي تساعد على إجراء عمليّات حسابيّة بدائيّة ، بواسطة تسجيلات بيانيّة . كانت بعض أنواع هذه اللوحات مزوّدة بكُرات صغيرة ؛ وبعض أشكالها استمرّ يُستخدم من قِبَل صغار الباعة حتّى القرن العشرين ( المترجِم ) .
( 3 ) راجعM . T . D'Alverny , la transmission des textes philosophiques et scientifiques au Moyen -آge , Variorum , Norfolk , 1994 .وَG . Beaujouan ,«La science dans l'occident medieval chretien»dans Histoire des sciences , vol . I , La science antique et medievale , PUF , Paris , 1966 , P . 31 - 313 .