المتصوف المغربي عبد الجليل أن هذا الأخير وهبت له حبة فأعطاها بدوره إلى نصراني . فما مر على هذا الأخير سوى سبعة أيام حتى « أسلم وحسن إسلامه » « 1 » .
ومن الذين اعتنقوا الإسلام كذلك ، شخصية من أسرة ملكية إسبانية يسمى « ابن أخت ألفونسو » ، أسلم وتسمّى بأبي زكريا يحي ، وكان له مكانة اجتماعية هامة في مكناس حيث ظل مشهورا بالحمام الذي بناه في تلك المدينة « 2 » .
ولا شك أن تحول كثير من المسيحيين إلى الإسلام جعل أحد الباحثين يخلص إلى القول بأن العصر الموحدي كان عصر ارتداد قادة الحاميات العسكرية النصرانية عن الديانة المسيحية ، وقد تبعهم في ذلك جنودهم « 3 » . ولم تقف البابوية مكتوفة الأيدي ، ففي 2 فبراير / شباط 624 ه - / 1226 م ، أبلغ رئيس أساقفة طليطلة بالعدد الكبير من المسيحيين الذين ارتدوا عن مسيحيتهم ، ودخلوا الإسلام . ويبدو أن فرناندو الثالث ملك قشتالة فطن إلى خطر ردة رعاياه . ولذلك ولأجل درء هذا الخطر ، بيّن في المعاهدة التي عقدها مع الخليفة الموحدي المأمون أنه يمنع على نصارى المغرب التخلي عن ديانتهم واعتناق الإسلام . وبذلك نصّب الملك القشتالي نفسه مدافعا وحاميا للمسيحية في بلاد المغرب « 4 » .
وثمة ظاهرة حضارية أخرى نتجت عن هذا الاتصال بين المغاربة المسيحيين ، ألا وهي كثرة أسواق الرقيق في كبريات المدن ، وانتشار ظاهرة التسري بالجواري المسيحيات « 5 » .
وبالمثل ، نجم عن هذا الانصهار الحضاري مشاركة المغاربة المسيحيين في أعيادهم واحتفالاتهم . فالحسن بن الوزان « 6 » سجّل رواية عن عيد مسيحي بقيت آثاره إلى عصره ، ومفادها أن المغاربة كانوا يشاركون النصارى في حفلاتهم الدينية ومنها ليلة ميلاد المسيح حيث كانوا يصنعون نوعا من الثريد المكوّن من الخضر المتنوعة ويأكلونه في تلك الليلة « ويضع الأطفال في اليوم الأول من السنة أقنعة على وجوههم ، ويتوجهون إلى الأعيان يطلبون منهم الفواكه وهم ينشدون أغانيهم الصبيانية ، وفي يوم القديس يوحنا توقد نيران كثيرة من التبن في جميع الأحياء » .
واستمرت كذلك عادة مشاركة المغاربة المسيحيين في إحدى المناسبات الاجتماعية وهو يوم « دانتيسيا » ، وهو احتفال كان يتم عندما تبدأ أسنان الطفل في الظهور « 7 » .
والجدير بالذكر كذلك في مجال التأثير الحضاري المتبادل أن بعض النصارى تأثروا بالأزياء المغربية . وفي هذا الصدد يذكر ابن غازي « 8 » ، أن ابن أخت ألفونسو المذكور سابقا « أسلم وتزيا بزي الموحدين » .
أما في ميدان الفلاحة فقد ترك المسيحيون القاطنون في المغرب أثرا إيجابيا كما تبيّن ذلك بعض الفتاوى . وكان للنصارى الإسبان الذين تم ترحيلهم إلى المغرب سواء في العصر المرابطي أو الموحدي خبرة كبيرة في العمارة والفلاحة والسقي وغير ذلك . ولهذا السبب ، لا نشك في أن هؤلاء ساهموا في تقدم الزراعة بالمغرب « 9 » .
وأخيرا من المفيد أن نشير إلى ظاهرة تحضر بعض مدن الغرب الإسلامي بتأثير التجار المسيحيين ، وهو ما يؤكده نص مارمول الذي قال وهو بصدد الحديث عن مدينة أنفا ( الدار البيضاء حاليا ) : « يبدو
هامش
( 1 ) - ابن الزيات ، م . س ، ص 150 .
( 2 ) - ابن غازي : م ، س ، ص 1011 خوسي اليماني : م ، س ، ص 37 .
( 3 ) -DUFOURCQ : « Les relations du Maroc et de la Castille pendant la premiere moitie du XIII siecle » ; Rrevue d Histoire et de Civilisation du Maghreb , no 5 , juillet 1966 ; p : 46 .فرناندو الثالث ( 1199 - 1252 م ) ويعرف أيضا باسم فرناندو المقدس ، أصبح ملكا على قشتالة سنة 1217 بعد أن تنازلت له أمه الملكة برنجيلا وهو لا يزال صغيرا . وضمّ عرش ليون سنة 1230 وحتى وفاته . وقد عمل كل ما في وسعه للاستيلاء على الأراضي الإسلامية في الأندلس التي أخذ يحتلها واحدة بعد الأخرى إلى أن سقطت معظم مدن وسط الأندلس في يديه .
( 4 ) -Ibid ; p : 47 .( 5 ) - العربي الصديق : م ، س ، ص 155 .
( 6 ) - وصف أفريقيا ، م ، س ، ج 1 ، ص 102 . محمد بن حسن الوزان ، ويعرف بليون الإفريقيLeon l Africainعاش خلال القرن 16 م ، إذ ولد في غرناطة قبيل سقوطها ثم انتقل إلى فاس حيث درس هناك وقام بعدة رحلات أسر في إحداها من طرف القراصنة الإيطاليين قرب جزيرة جربة ، واحتضنه البابا ليون العاشر وبقي عنده يظهر الديانة المسيحية ويدين بالإسلام .
( 7 ) - المرجع نفسه ، ص 201 .
( 8 ) - الروض الهتون ، م . س ، ص 11 .
( 9 ) -DUROURCQ : La vie quotidienne , op , cit , p : 238 .