بأهم المناصب العليا في الدولة الموحدية ، بل حتى بالوظائف السرية « 1 » ، مما أتاح لها فرصة التحرك داخل الساحة السياسية .
ولم يقل الدور العسكري شأنا عن الدور السياسي ، فقد وظفت الحاميات العسكرية القشتالية وغيرها من الطوائف المسيحية الأخرى لخنق تمردات وقمع ثورات القبائل . وما زالت الأدوار التي لعبها الروبيرتر في هذا المجال تثير الإعجاب « 2 » لما قدمه من دعم عسكري للدولة المرابطية قبل أن ينخرط كمرتزق في سلك الموحدين .
ولم يتقاعس الخلفاء الموحدون بدورهم عن استعمال الكتائب العسكرية القشتالية لاستئصال شأفة الثوار ، ففي رواية لابن خلدون « 3 » أن الخليفة الموحدي المرتضى حارب الثائر علي بن بدر بواسطة قائد نصراني يدعى دنلب
Dunlop .
وبفضل المساعدة التي تلقاها الخليفة الرشيد تمكن من كسب معركة مراكش لصالحه « 4 » .
كما حدث أن المعركة الفاصلة التي وقعت بين الموحدين والمرينيين ، استأسدت فيها الفرق القشتالية ، ويعزى الفضل لقائدهم ابن القمط الذي تمكن من وضع حد لحياة الأمير المريني أبي معرف محمد « 5 » .
أما دور الإيطاليين في المجال العسكري ، فقد تمثل في المساعدة البحرية التي قدمها تجار جنوة للخليفة الموحدي الرشيد للدفاع عن سلا « 6 » .
وفي الميدان الاقتصادي ، يظهر دور التجار المسيحيين واضحا ، إذ إنهم ساهموا في زيادة بيت مال الدولة الموحدية عن طريق استخلاص هذه الأخيرة للرسوم الجمركية المفروضة على البضائع والتي بلغت نسبة 8 % « 7 » . كما لعبوا دوراً هاماً في توفير الحاجيات الاقتصادية للغرب الإسلامي ، وشكّلوا في الوقت نفسه مصدرا لتسويق المنتوجات المغربية ، خاصة الذهب والعبيد .
ولا سبيل لإنكار الدور المسيحي على الصعيد الاجتماعي في نقل كثير من العادات والاحتفالات التي تأثر بها المغاربة كما سنبين في ما بعد . وساهموا أيضا في ميدان العمران حيث يذكر مارمول « 8 » أن الأسرى المسيحيين هم الذين حفروا الأربعمائة قناة التي كانت تصب في مبنى تجميع المياه بالعاصمة مراكش ، وهو مبنى نال إعجابه . كما ساهموا في بناء التحصينات نذكر منها حصنا عند جبل زرهون يسمى قصبة النصراني « 9 » . كما ساهموا في بناء المرافق العامة مثل الحمام الذي بناه النصراني المدعو ابن أخت ألفونسو بمدينة مكناس « 10 » .
ومعلوم أن بعض النصارى اشتغلوا بمهنة الطب ، وقدموا خدمات صحية للمغاربة ولو أن أدويتهم وطريقة معالجتهم كانت تحوم حولها بعض الظنون من طرف العامة « 11 » . أما في ميادين الزراعة والفنون ، فإنه كان للحضور المسيحي فضل على المجتمع المغربي « 12 » .
بقي علينا في نهاية هذه الدراسة أن نتساءل كنتيجة حتمية للوجود المسيحي على أرض الغرب
هامش
( 1 ) -Ibid ; p 7 .الروبيرتيرReverterقائد عسكري قشتالي ، استقدم من إسبانيا من طرف المرابطين الذين استخدموه كقائد للكتائب الجيش النصراني والحرس الشخصي للأمراء المرابطين . وقد عرف بإخلاصه الشديد لدولة المرابطين وشارك ضمن جيش تاشفين بن علي في التصدّي للموحدين في منطقة سوس . وقد اندمج ابنه بعد ذلك مع الموحدين .
( 2 ) -DEVERDUN : Marrakech des origines a 1912 . T 1 . Rabat ; 1952 ; p : 138 .( 3 ) - كتاب العبر ، تحقيق خليل شحاذة ، بيوت 1981 ، دار الفكر ، ج 6 ، ص 350 .
( 4 ) - ابن عذاري م ، س ، ص 284 .
( 5 ) - مجهول : الحلل الموشية ، م ، س ، ص 173 .
( 6 ) -DUFOURCQ : op , cit . p : 55 .( 7 ) -MASCARELLO : « Quelques aspects des activites Italiennes dans le Maghreb medieval » ; R . O . H . M . P : 66 .( 8 ) - مارمول : م ، س ، ص 47 .
( 9 ) - إبراهيم حركات : المغرب عبر التاريخ ، الدار البيضاء ، 1965 ، ج 1 ، ص 244 .
( 10 ) - ابن غازي : الروض الهتون في أخبار مكناس الزيتون ، الرباط ، 1952 ، دار الأمنية ، ص 10 - 11 .
( 11 ) - ابن الزيات : كتاب التشوف إلى رجال التصوف ، تحقيق أحمد التوفيق ، الرباط 1984 ، ص 323 .
( 12 ) -LAGARDERE : op , cit ; p 13 .