وإذا كانت هذه الحالات الاستثنائية تمثل نقطا سوداء في نسيج التعايش السلمي بين المسلمين المغاربة والمسيحيين لأسباب ترجع إلى التهور أحيانا ، وعدم الالتزام بالحكمة والتعقل أحيانا أخرى ، فإنها لم تؤثر في سيرورة هذا الاتجاه السلمي الذي تجذر بفعل سياسة التسامح التي نهجها الخلفاء الموحدون . وقد وقف الباحثون الغربيون المنصفون منبهرين أمام هذا الجو من التعايش السلمي بين الجانبين ، فمؤرخ الحياة الدينية للغرب الإسلامي الأستاذ ألفرد بل
Alfred Bel
نوّه بروح التسامح التي نهجها المغاربة تجاه المسيحيين من تجار وجنود وغيرهم « 1 » ، بينما وقف باحث آخر « 2 » مندهشا أمام العلاقات الطيبة التي ظلت سائدة بين نصارى ومسلمي أفريقية حتى بعد الغزو النورماندي للساحل التونسي ، مما ينهض قرينة على استمرار فصل هام من علاقات التعايش بين المغارب - ة و " ضيوفهم " المسيحيين ، وهو ما يتأكد من خلال رصد الأدوار التي قاموا بها والتأثير المتبادل الذي أدى إلى ميلاد حضارة مشتركة ، وهو ما سنتطرق إليه الآن .
ثالثا : دور الطوائف المسيحية في الغرب الإسلامي وميلاد حضارة إسلامية - مسيحية مشتركة :
لا تفصح النصوص بما فيه الكفاية عن مختلف الأدوار التي لعبها المسيحيون في الغرب الإسلامي . غير أن الإشارات الباهتة التي نعثر عليها بصعوبة تكشف أهمية تلك الأدوار ، وتدل على مساهمتهم الفعالة في نسج خيوط حضارة إسلامية مسيحية مشتركة .
1 الأدوار المسيحية في مجتمع الغرب الإسلامي :
على الصعيد السياسي تشير المصادر إلى أن قادة الكتائب العسكرية المسيحية وهم في الغالب إسبانيون قشتاليون أخذوا يتدخلون في أمر بيعة الخلفاء الموحدين وترشيح هذا الأمير أو ذاك للحكم . وفي هذا الصدد ذكر ابن أبي زرع « 3 » عند تعرضه لخلافة عبد الواحد الرشيد الموحدي : « أخذ له البيعة كانون بن جرمون السفياني ، وشعيب أخو قاريط الهسكوري ومرقسيل قائد الروم » ، وهي إشارة واضحة إلى الدور الرئيسي الذي أصبح يلعبه قادة الجند الرومي .
ولم يقتصر الأمر على العنصر الذكوري من المسيحيين ، بل إن النساء النصرانيات أصبحن يحشرن أنوفهن في أمر البيعة ، ويبرز في هذا الشأن اسم حبابة زوجة الخليفة الموحدي المأمون ، وهي جارية نصرانية لعبت دورا بارزا ، واستخدمت النفوذ والرشوة من أجل ترشيح ابنها الصغير الخليفة الرشيد الموحدي « 4 » وذلك بمساعدة شخصية مسيحية أخرى ، وهو سانشو الذي لعب أيضا دورا هاما في التاريخ المغربي « 5 » .
ولا يستبعد أن تكون الحاميات العسكرية المسيحية قد تدخلت في شؤون القبائل من أجل استقطابها أو إبعادها عن التحالف مع الخليفة كما لاحظ ذلك أحد الباحثين « 6 » . وليس صحيحا في نظرنا طبقا للنصوص السابقة ما استنتجه المؤرخ
Mensage
من أن هذه الحاميات لم تتدخل في النزاعات داخل الأسرة الحاكمة أو القبيلة « 7 » .
ونعتقد أن هذا الدور السياسي الخطير الذي اضطلعت به الحاميات القشتالية يعزى إلى استئثارها
هامش
( 1 ) - «Coup d oeil sur l Islam en Berberie » Revue des Religions , Janv - Fev 1917 , Ernest le Roux 1917 , p 70 .( 2 ) -CUOQ , L eglise de l Afrique du Nord de 2 e au 12 e siecle . Paris , 1984 , p : 170 .( 3 ) - روض القرطاس : م ، س ، ص 254 .
( 4 ) - المصدر نفسه ، ص 254 .
( 5 ) -DUFOURCQ , op , cit , pp : 43 - 44 - 57 .( 6 ) -Ibid , p : 60 .( 7 ) -MENSAGE , op , cit ; p : 10 .