3 - الأسرى المسيحيون أو المنفيون إلى المغرب :
إذا كان الحضور المسيحي قد تكثف عن طريق الكتائب العسكرية المجلوبة من بلدان الغرب المسيحي ، فإن هناك رافدا آخر تدعّم به هذا الوجود أيضا ، ألا وهو مسألة الأسرى المسيحيين الواقعين في قبضة المسلمين عن طريق الحروب أو القرصنة البحرية التي بلغت ذروتها في العصر الموحدي حتى أنه « بلغ الحال من كثرة سبي الآدميين أن يباع بيضاوان من الروم بسوداء من الوخش في بجاية » « 1 » .
وبالإضافة إلى عمليات الجهاد والقرصنة البحرية ، تعزز الحضور المسيحي في الغرب الإسلامي بعمليات الترحيل الإجبارية من الأندلس نحو المغرب . فإذا كان المرابطون قد قاموا بترحيل عدد من نصارى الأندلس ، في تواريخ متفرقة ، فإن الموحدين نحوا منحاهم ، فقاموا بعملية ترحيل سنة 566 ه - / 1170 م « 2 » .
4 - البعثات التبشيرية :
يضاف إلى ما سبق ذكره ، مجيء بعض البعثات الدينية أو الإرساليات التبشيرية التي بعثتها البابوية لخدمة الطائفة المسيحية الموجودة في الغرب الإسلامي ، أو للقيام بعمليات التبشير بالدين المسيحي داخل المجتمع المغربي كما سنفصل في موضعه ، فاستقرت فيه بصفة مؤقتة ، ولعبت أدوارا هامة في تاريخ المسيحية في الغرب الإسلامي .
وبهذه الروافد المتنوعة ، تعددت الجاليات المسيحية المتوسطية على أرض الغرب الإسلامي ، وأصبحت تعيش جنبا إلى جنب مع المغاربة ، وتساهم في حياتهم اليومية ، فكيف كانت وضعيتها وما هي أدوارها وتأثيراتها في المجتمع المغربي ؟
ثانيا : أوضاع الجاليات المسيحية في المغرب في العصر الموحدي :
ساهمت عدة معطيات في تحديد وضعية الطائفة المسيحية في الغرب الإسلامي وإعطائها مكانتها المتميزة ، ففضلا عن الخلفيات التي تم عرضها ، والتي كانت تصب في اتجاه رعاية هذه الطائفة وتحسين أوضاعها ، هناك معطيات أخرى ساهمت في تكريس هذه الوضعية نذكر منها :
1 - فلسفة العقيدة الإسلامية القائمة على مبدأ التسامح والتعايش مع الآخر .
2 - حماية الدولة الموحدية للمسيحيين انطلاقا من محافظتها على مصالحها وخاصة التجارية منها .
3 - تدخّل البابوية المستمر لحماية رعاياها المسيحيين في المغرب .
4 - قوة الدول والجمهوريات المسيحية التي تنتمي إليها الطوائف المسيحية ، إذ غالبا ما كانت تلك الدول تلوّح بالتهديد وتستعمل ورقة سحب كتائبها العسكرية في حالة عدم احترام الموحدين لاتفاقياتهم السلمية أو المساس بمصالح الرعايا المسيحيين .
5 - السياسة السلمية التي نهجها الخلفاء الموحدون ، خاصة الأواخر منهم .
تأسيسا على هذه المنطلقات ، واعتمادا على نصوص عربية ولاتينية سنحاول ملامسة
هامش
( 1 ) - الغبريني : عنوان الدراية ، تحقيق عادل نويهض ، الجزائر 1328 ، ص 45 .
( 2 ) -LAGARDERE ? « Communautes Mozarabes et pouvoir Almoravide en 519 H / 1325 en Andalus » , Studia Islamica , 1988 , p : 99 .