تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
نشاطها سواء في المدن الداخلية التي كان يقيم فيها الجنود النصارى وقادتهم ، أو داخل الأحياء التي كان يسكنها التجار المسيحيون في ضواحي المدن الواقعة على الشريط الساحلي المتوسطي لبلاد المغرب . وفي هذا المنحى ثمة نصوص تخبرنا بأن البابا هنوريوس الثالث
Honorius III
بعث إلى أفراد البعثات التبشيرية توجيهات يطلب فيها من المبشرين تسهيلا لمأموريتهم وتمويها على المغاربة ألا يحلقوا لحاهم ، وأن يتزينوا بزي المسلمين « 1 » . ولا نستبعد أن تكون الأسقفيات المنبثة في المدن التي استقر فيها التجار المسيحيون في الساحل ، نقطة انطلاق النشاط التبشيري في مدن المغرب الداخلية ، شفيعنا في هذا الاستنتاج ما شهدته سبتة من نشاط تبشيري قامت به جماعة دانييل
Daniel
سنة 623 ه - / 1227 م « 2 » . من كل ما سبق يتضح أن الوضعية الدينية للطوائف المسيحية كانت محترمة ولا يكدر صفوها أي عائق . أما الآراء التي أنكرت هذه الحقيقة فسنناقشها في حينها بعد التعرض للوضعية الاقتصادية الاجتماعية . 2 - الوضعية الاقتصادية الاجتماعية للطوائف المسيحية في الغرب الإسلامي : كما حظيت الطوائف المسيحية بوضعية دينية تغمرها روح التسامح ، فإن فئة منها تمتعت بوضعية اقتصادية متميزة ، ويتعلق الأمر بفئة التجار ، ولاغرو فإن مناخ الحرية ، وحسن سياسة التعامل التي حرص الخلفاء الموحدون على جعلها قاعدة وناموسا ، استقطبت العديد من تجار البلدان المتوسطية الذين فضلوا الاستيطان في المدن المغربية الساحلية تسهيلا لمهامهم باستقبال السفن ونقل البضائع . وكان هؤلاء التجار ينقسمون إلى فئتين « 3 » : - التجار الذين يتوفرون على رأس مال ثابت ولا يقيمون في المغرب بل يعيّنون وكلاء ينوبون عنهم . - التجار الذين لا يملكون رأس مال ، ولكنهم يعملون لصالح الفئة الأولى ، ويكتفون بالربح الذي يحققونه في بلاد المغرب ، ويقيمون في إحدى المدن المغربية ، وهذه الشريحة هي التي تهمنا . وقد حرصت الجمهوريات المسيحية التي ينتمون إليها على عقد معاهدات تجارية مع بلاد المغرب لفائدة تجّارها ، ففي سنة 581 ه - / 1186 م ، عقدت جمهورية بيزة معاهدة للتجارة والسلم مع السلطان الموحدي أبي يوسف يعقوب المنصور لمدة 25 سنة تضمن حرية تجّار بيزة في كل من سبتة ووهران وبجاية وتونس « 4 » . ولم يجد هؤلاء التجار أدنى حرج في الاتصال بالخليفة الموحدي لعرض كل ما يعترض عملياتهم التجارية من صعوبات ، يؤيد ذلك الرسالة التي بعثها قنصلهم إلى أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بتاريخ 19 ماي / أيار 1181 م حول الصعوبات التي أعاقت عددا من تجار مدينة بيزة الإيطالية من أجل استخلاص جلود بجاية « 5 » . ولا يساورنا شك في أن المسؤولين المغاربة لم يديروا ظهرهم لكل هذه النداءات . ولا تزال
هامش
( 1 ) -MASLARTIE : OP , Cit , p 9 .( 2 ) - مارمول : م ، س ، ص 51 . ( 3 ) -GISELE , op , cit , p 273 .( 4 ) -MASLATRIE , op , cit , p 28 .( 5 ) -Ibid , P 27 .