أمنة في المدينة ، ونجا إلى جنب النبي فيها من الفتنة والعذاب ،
ولكن حماسته للإسلام لم تخف ، وسورته الإيمانية لم تهدأ ،
تحول استبساله الضاري في تحمل العذاب من الميدان
السلبي ، إلى استبسال ضار في تحمل الأعباء من الميدان
الإيجابي ، يرهق نفسه بما لا يرهق المسلمون به أنفسهم من
الإخلاص المضاعف لله ولرسوله ، ولكنه ذلك الصامت البعيد
عن الرياء والثرثرة والفضول صمته طويل ، وهو صمت تأمل
ومعرفة ، لا يقطعه إلا الضروري من الكلام ، فإذا طال ولم
تقطعه ضرورة ، قطعة هذا التنفس المؤمن يرسل هذه الكلمة :
( عائذ بالله من فتنة ) ثم يتصل . وكأنه كان ينتظر الفتنة - وقد
ذاق أمرها طعما - من هؤلاء المنافقين الذين يرى صدورهم ما
تزال حرجة بالإسلام ، تنفس عليه وعلى غيره من المعذبين
تقدمهم وارتفاع شأنهم ، وتنكر على الإسلام أن سوى بينهم
وبين أتباعهم ، فهدم الفوارق ، ومحا العصبيات ، وأذهب
النعرة ، وآخى بين السود والبيض ، وبين السادة والعبيد . كان
عمار ينتظر الفتنة من أجل هذا كله ، فيقطع صمته ، إذا طال
صمته ، بهذا النفس المؤمن : ( عائذ بالله من فتنة ) .
وأقبل النبي ذات صباح على ( مربد ) سهل وسهيل يتيمي
عمرو النجاري ، وقد أرضاهما بثمن قيم كافلهما معاذ بن عفراء
ليكون مسجدا للنبي ومسكنا . فشمر النبي عن ساعديه يعمل
في بناء المسجد كواحد من العمال المسلمين ، وكأن هذه
المساواة الإسلامية دعوة بلسان الحال لكافة المسلمين ، أن
حليف مخزوم ( عمار بن ياسر ) — صفحة 79
مساهمون: صدر الدين شرف الدين
ص٧٩