وإنَّما سجّل هؤلاء المؤلّفون هذه المجموعة من الأخبار حفظاً لها عن الضياع ، وتسليماً لها بأيدي الأجيال المقبلة ، على أن يكون بيد تلك الأجيال حقّ التمحيص والتمييز ، لا على أن يشهد المؤلّف بصحّة كلّ ما أورده من الأخبار في كتابه .
الطريق الثاني : وهو - على ما يبدو - ناشئٌ من الشعور الوجداني بقلّة الأخبار التي يمكن الاستدلال بها على الأحكام الشرعيّة ، بعد أن أصبح تحصيل الاستفاضة والتواتر على الحكم الشرعي متعذّراً ، وكان الخبر الواحد الصحيح قليل الوجود بين الأخبار . وليست أخبار الكتب الأربعة - فضلًا عن سائر المصادر - ممّا يمكن أخذه بشكلٍ مسلّم الصحّة وبدون مناقشة . إذن فلم يبقَ من الأخبار الدالّة على الحكم الشرعي بشكلٍ صحيح وأكيد إلَّا النزر القليل .
ومن هنا تضاعفت أهمّيّة القواعد العامّة وأهمّيّة علم الأُصول ، ممّا حدا بهؤلاء إلى التدقيق فيه أكثر وأكثر . أليس هو دليلهم الرئيسيّ ومفزعهم الأخير في معرفة أحكام الإسلام ؟ الأمر الذي سبّب في
أذهان هؤلاء إلى إدخال المطالب الفلسفيّة والمنطقيّة في علم الأُصول .
أليست الفلسفة هي أعمق العلوم وأحراها بإدراك الحقائق ؟
إذن فالحريّ بنا أن نفهم علم الأُصول فهماً فلسفيّاً ؛ لعلّنا ننال منه حقائق الأحكام الشرعيّة في عصر الضياع والظلام ، وبذلك أصبح علم الأُصول فصلًا من فصول الفلسفة أو كاد .
وهذا هو الاتّجاه الذي مشى عليه الأُصول حقبة طويلة من
أصول علم الأصول — صفحة 46
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٦