وهذا الاتجاه هو الذي سُمّي ب - ( الأخباري ) ؛ لاعتماده في معرفة الأحكام الشرعيّة على الأخبار دون القواعد العامّة .
وبذلك أصبح موقفهم مشابهاً من هذه الناحية لعلماء الفترة الأُولى الذين كانوا يشعرون بتوفّر الأخبار وعدم الحاجة إلى الاعتماد على القواعد .
غير أنَّ أُولئك كانوا مصيبين في اتّجاههم ؛ لأنَّ عصرهم كان يناسب ذلك بالضرورة ؛ لأنَّهم عاشوا عصر توفّر المصادر الحديثيّة والتأريخيّة قبل حملات المهاجمين ، وإحراق المكتبات . ولكن هؤلاء - أعني : الأخباريّين - أصبحوا على خطأٍ ؛ لأنَّ المكتبات كانت قد أُتلفت والتراث قد ضاع عن الاستدلال على الأحكام الشرعيّة ، لم يبقَ أيّ طريقٍ كافٍ للاستدلال عليها إلّا الأخبار الضعيفة والدلالات البعيدة .
ولعلّ الأفضل لو كانوا قد أدركوا :
أوّلًا : أنَّ القواعد العامّة الأُصوليّة ليست من بنات أفكار العلماء ، وليست غريبة على الشريعة المقدّسة الغرّاء ، بل هي منها بالصميم ؛ بدليل ورودها في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة . وقد أسّسها قادة الإسلام أنفسهم من أجل تطبيقها في مثل هذا العصر المظلم ؛ لتكون هي المنقذ الرئيسيّ من الجهل والحيرة ، والدليل الرئيسيّ على معرفة الأحكام الشرعيّة .
ثانياً : أنَّ الحكم بصحّة كلِّ ما ورد في الكتب الأربعة ، حكم يحتاج إلى الدليل . فإنَّ وثاقة المؤلّفين - وهي أمر واضح وأكيد - لا يعني صحّة كلّ ما أوردوه في كتبهم ، بل يبقى كلّ خبرٍ قابلًا للمناقشة من حيث رواته الآخرين ، ومن حيث مدى دلالة كلماته على الحكم الشرعي المطلوب .
أصول علم الأصول — صفحة 45
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٥