الأمر الثالث : إنَّ الألفاظ علّة للدلالة على المعاني ، ومن هنا جاء اصطلاح الدلالة الذاتيّة .
وقد أجاب السيّد الأُستاذ على ذلك : بأنَّ العلّيّة هل هي على نحو العلّيّة التامّة أو على نحو المقتضي ؟
فإن ادُّعي أنَّها على نحو العليّة التامّة ، فهو غير محتمل ؛ لأنَّه يلزم منه فهم كلّ أحد لكلِّ لغةٍ . وإن كان بنحو المقتضي فهو وإن كان قابلًا للبحث احتمالًا ، إلَّا أنَّه ممّا لا دليل عليه « 1 » .
وجوابنا على هذا الكلام ، تارةً مع احتمال العلّيّة وأُخرى مع احتمال الاقتضاء .
أمّا على احتمال العلّيّة ، فهو احتمالٌ ساقطٌ لا يمكن التفوّه به ، ومجرّد إثارته أمر سمج ، وذلك :
أوّلًا : إنَّ ذلك ممّا لم يدّعه أحد ، وإنَّما مرادهم منها المناسبة الذوقيّة التي سبق أن شرحناها .
ثانياً : إنَّه يلزم أن يكون اللفظ الواحد علّة لعدّة معانٍ ، باعتبار وضعه لها في لغاتٍ مختلفة ، فيكون الشيء الواحد علّة لمعلولاتٍ متعدّدة ، وهو خلاف القاعدة المشهوريّة : إنَّ الواحد لا يصدر عنه إلَّا الواحد .
ثالثاً : إنَّه يلزم أن يكون المعنى الواحد معلولًا لألفاظ مختلفة ، إمّا باعتبار الترادف في لغةٍ واحدة أو باعتبار تعدّد اللغات ، وهذا أيضاً مخالف لنفس القاعدة المشهوريّة .
هامش
( 1 ) أُنظر : محاضرات في أُصول الفقه ( للفيّاض ) 38 : 1 ، الأمر الرابع : في الوضع .