فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ
« 1 » هذه الفطرة هي فطرة توحيد اللَّه في المقامات الثلاثة ، بل رفض التعيّنات وإرجاع الكلّ إليه وإسقاط الإضافات حتّى الأسمائية وإفناء الجُلّ لديه . ومَنْ لم يصل إلى هذا المقام فهو خارجٌ عن فطرة اللَّه و خائنٌ في أمانةاللَّه ، وجاهلٌ بمقام الإنسانية و الربوبية ، وظالمٌ بنفسه والحضرة الإلهية .
و معلومٌ عند أصحاب القلوب من أهل السابقة الحُسنى أنّ حصول هذه المنزلة الرفيعة و الدرجة العَليّة ؛ لا يمكن إلّابالرياضات الروحية و العقلية والخواطر القُدسية القلبية بعد طهارة النفس عن أرجاس عالم الطبيعة وتزكيتها ، فإنّ هذا مقامٌ
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
« 2 » ، وصرف الهَمّ إلى المعارف الإلهية وقَصْر الطرْف إلى الآيات و الأسماء الربوبية عقيب صيرورته إنساناً شرعيّاً بعد ما كان إنساناً بشرياً بل طبيعياً . فاخرجي أيّتها النفس الخالدة إلى الأرض لاتّباع هواك من بين الطبيعة المظلمة المدهشة الهيولانية ، وهاجري إلى اللَّه مقام الجمع وإلى رسوله مظهر أحدية الجمع حتّى يدركك الموت بتأييد اللَّه تعالى فوقع أجرك عليه ، و هذا هو الفوز العظيم و الجنّة الذاتية اللقائية التي لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر « 3 » .
واعلمي أ نّك ظهرت من مقام جامعية الأسماء و البرزخية الكبرى ، وأنت غريب في هذه الدار ولابدّ لك من الرجوع إلى الوطن ؛ فاحببي وطنك ؛ فإنّه من
هامش
( 1 ) - الأحزاب ( 33 ) : 72 .
( 2 ) - الواقعة ( 56 ) : 79 .
( 3 ) - إشارة إلى الحديث القدسي : « أعدَدْتُ لِعباديَ الصالحين ما لا عينٌ رأتْ ولا اذنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ » . ( عوالي اللآلي ، ج 4 ، ص 101 ، حديث 148 ؛ كنز العمّال ، ج 15 ، ص 778 ، حديث 43069 )