فصل [ في وجوه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ]
وما تضمّنته الآية الكريمة - من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب « 1 » - ينطوي على نكات فائقة ولطائف رائقة « 2 » ، زيادة على ما في مطلق الالتفات من المزيّة المقرّرة في فنّ المعاني .
فمنها : التنبيه على أنّ القراءة ينبغي أن تكون صادرة عن قلب حاضر وتوجّه كامل ، بحيث كلّما أجرى القارئ اسما من تلك الأسماء العليا ، ونعتا من تلك النعوت العظمى على لسانه ، ونقشه على صفحة جنانه ، حصل للمطلوب مزيد انكشاف وانجلاء ، وأحسّ هو بتزايد قرب واعتلاء ، وهكذا شيئا فشيئا إلى أن يترقّى من مرتبة البرهان إلى درجة الحضور والعيان ، فيستدعي المقام حينئذ العدول إلى صيغة الخطاب ، والجري على ذلك النمط المستطاب .
ومنها : أنّ من بيده هدية حقيرة معيبة ، وأراد أن يهديها إلى ملك عظيم ، ويطلب منه حاجته ، فإن عرضها عليه بالمواجهة ، وطلب حاجته منه بالمشافهة ، كان ذلك أقرب إلى قبول الهدية ونجاح الحاجة من العرض بدون المواجهة ؛ فإنّ في ردّ
هامش
( 1 ) . في هامش « ع » : « وجوه أربعة عشر في نكات الالتفات فيإِيَّاكَ نَعْبُدُ، ولم يذكر في الكشّاف إلّا وجها واحدا . وأمّا البيضاوي فيمكن أن يستنبط من كلامه وجوه ثلاثة » . ( منه رحمه اللّه ) .
( 2 ) . « راق ، يروق ، روقا وروقانا ، فهو رائق ، راقني الشيء : أعجبني » ( « لسان العرب » ج 10 ، ص 134 ، « روق » ) .