حينئذ تغليب الأصفياء الخلّص على غيرهم ، فيحترز « 1 » عن تلك الفرية الظاهرة والتهوّر الشنيع ، بخلاف صيغة الإفراد .
روي عن مالك بن دينار رضى اللّه عنه أنّه كان يقول : « لولا أنّني مأمور من الله تعالى بقراءة هذه الآية ما كنت أقرأها قطّ ؛ لأنّي كاذب فيها » « 2 » .
وما أحسن قول « رابعة العدوية » - رضي الله عنها - :
لك ألف معبود مطاع أمره * دون الإله وتدّعي التوحيدا « 3 »
أو لأنّ هنا مسألة فقهيّة هي أنّ من باع أمتعة مختلفة صفقة واحدة ، فكان بعضها معيبا ، فإنّ المشتري لا يصحّ له أن يأخذ الصحيح ويردّ المعيب ، بل إمّا أن يردّ الجميع أو يقبل الجميع ، فأراد العابد أن يحتال لقبول عبادته ، ويتوصّل إلى نجاح حاجته [ به ] « 4 » ، فأدرج عبادته الناقصة المعيبة في عبادات غيره من الأولياء والمقرّبين ، وخلط حاجته بحاجات من عداه من الأصفياء المخلصين ، وعرض الجميع صفقة واحدة على حضرة ذي الجود والإفضال ، فهو - عزّ شأنه - أجلّ من أن يردّ المعيب ويقبل الصحيح ؛ كيف ؟ وقد نهى عباده عن تبعيض الصفقة ، ولا يليق بكرمه ردّ الجميع ، فلم يبق إلّا قبول الكلّ ، وفيه المطلوب .
فهذه وجوه خمسة « 5 » في إيثار صيغة المتكلّم مع الغير على المتكلّم وحده . وبالله وحده الاعتصام .
هامش
( 1 ) . في « ق » و « س » : « فتحرز » .
( 2 ) . « تذكرة الأولياء » ص 53 . الطبع الفارسي .
( 3 ) . البيت لرابعة العدوية ولم نعثر على مصدره . وهي رابعة بنت إسماعيل العدوية ، أمّ الخير ، مولاة آل عتيك ، صالحة مشهورة ، من أهل البصرة ، وتوّفيت بالقدس سنة 135 ه . لاحظ « الأعلام » للزركي ، ج 3 ، ص 10 .
( 4 ) . ما بين المعقوفتين أضفناه من « م » .
( 5 ) . في هامش « ق » و « ش » : « هذه الوجوه أيضا ممّا لم تجتمع في غير هذا التفسير » . ( منه رحمه اللّه ) .