والحاصل : أنهم إنّما يوجبون الأصلح الذي لو لم يفعله ، لكان مناقضا لغرضه .
قالوا : لمّا كان غرضه - جلّ شأنه - من إظهار المعجزة على يد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تصديق الخلق له ، فيجب أن يخلق فيهم ما يبصرونها به إن كانت من المبصرات ، أو ما يسمعونها به إن كانت من المسموعات ؛ لئلّا يكون بإهمال ذلك مناقضا لغرضه ؛ وكذلك لمّا كان غرضه من خلقنا أن نعبده ، كما قال - عزّ وعلا - :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » ، فيجب عليه إرشادنا إلى ذلك بإرسال الرسل - صلوات الله عليهم - وإلّا لفات الغرض ، وعلى هذا فقس .
وحينئذ يبقى الجدال معهم في تعليلهم أفعاله - تعالى - بالأغراض ، وإجرائهم هذه الآية وأمثالها من الآيات على ظاهرها . وسنتكلّم فيه في موضع يليق به ، إن شاء الله تعالى .
على أنّهم يقولون : إنّ وجوب الشيء لا ينافي التفضّل به إذا نشأ وجوبه من تفضّل سابق ، كمن ألزم نفسه - بعهد أو يمين - أن يتصدّق على المسكين الفلاني بمال جزيل ؛ فإنّه إذا أوصل ذلك المال إليه ، عدّ في العرف متفضّلا عليه ، ولهذا لو أعرض ذلك المسكين عن حمده وشكره - مستندا إلى أنّ ذلك الإعطاء كان واجبا عليه - لاستحقّ الذمّ من جميع العقلاء ، وما نحن فيه من ذلك « 2 » القبيل ؛ فإنّ خلقنا لم يكن واجبا عليه - سبحانه - لكن « 3 » لمّا أوجدنا من كتم العدم تفضّلا وإحسانا ، وألبسنا خلعة الوجود تطوّلا وامتنانا ؛ لنتأهّل للقرب من ساحة جلاله ، ونستعدّ للاستضائة بأنوار جماله ، وجب بسبب ذلك التفضّل أمور أخر لا يخرجها الوجوب عن كونها تفضّلا ، كما في المثال المذكور
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
« 4 » . وبه الاعتصام ، وإليه الرجعى .
هامش
( 1 ) . الذاريات ( 51 ) : 56 .
( 2 ) . في « ق » : « هذا » .
( 3 ) . في « م » : « لكنّه » .
( 4 ) . النحل ( 16 ) : 60 .