ب - خلافة اللَّه
إنّ الحكمة من وراء خلق الإنسان هي خلافة اللَّه ، كما قال تعالى :
« وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً »
« 1 » ، والخليفة لابدّ أن تكون لديه القدرة على النهوض بأعمال مستخلفه ، وقد قيل في هذا المعنى : « العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة » « 2 » ، وقد جاء في الحديث القدسي :
« عَبدي أطِعني حَتّى أجعَلَكَ مِثلي » « 3 »
، وروي أيضاً :
« إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقولُ في بَعضِ كُتُبِهِ : يَابنَ آدَمَ ! أنَا حَيٌّ لا أموتُ ، أطِعني في ما أمَرتُكَ حَتّى أجعَلَكَ حَيّاً لا تَموتُ . يَابنَ آدَمَ ! أنا أقولُ لِلشَّيءِ : كُن فَيَكونُ ، أطِعني فيما أمَرتُكَ أجعَلكَ تَقولُ لِلشَّيءِ : كُن فَيَكونُ » « 4 »
. إنّ ما يضمن إيصال الإنسان إلى مقام خلافة اللَّه هو محبّته تعالى ، كما قال بعض أهل المعرفة - ما معناه - : « كما أنّ النار إذا سرت في الحديد ، تجد الحديد يفعل ما تفعله النار ، كذلك إذا سرت محبّة اللَّه في قلب العبد يصبح قادراً على أن يفعل فعل اللَّه بإذن اللَّه » .
وكما ورد في أحاديث التقرّب بالنوافل - وهي أحاديث نقلها الفريقان - أنّ الإنسان يتقرّب إلى اللَّه بالنوافل خطوة بعد خطوة إلى أن يصبح خليقاً بنيل محبّة اللَّه ، وعندئذ يصبح اللَّه بالنسبة له بمثابة عينه واذنه ولسانه ويده ورجله وقلبه « 5 » .
وبعبارة أخرى : أنّه يذوب في اللَّه ويبلغ مقام الفناء فيه ، ويفقد عندئذ إرادته ؛ فعينه ترى ما يريده اللَّه ، ولسانه يتكلّم بما يحبّه اللَّه ، وهكذا أيضاً تعمل سائر جوارحه وفقاً لإرادة اللَّه ، والأهمّ من كلّ ذلك هو أنّ تفكيره يدرك ما يشاء له اللَّه إدراكه « 6 » .
وفي مثل هذه الحالة ، يتّخذ الإنسان صبغة خلافة اللَّه ، ويصبح مثلًا للَّه ؛ وكلّما يريد يتيسّر له بطلب من اللَّه وإذنه .
هامش
( 1 ) . البقرة : 30 .
( 2 ) . مصباح الشريعة : 536 .
( 3 ) . بحار الأنوار : 105 / 165 الهامش .
( 4 ) . بحار الأنوار : 93 / 376 / 16 ، تاريخ اليعقوبي : 1 / 95 .
( 5 ) . انظر : ص 341 « استجابة الدّعوات » .
( 6 ) . انظر : ص 289 « معنى محبّة اللَّه للعبد » .