ولا شك ان العقل والعلم سعادة ، وان قلّ معهما المال ، والحمق والجهل حرمان وادبار ، وان اتسعت معهما الحال .
وكيف يكون الجاهل الغني رفيعا والجهل وضعه ؟
أم كيف يكون العالم الفقير وضيعا والعلم رفعه ؟
ولهذا قالوا : الجاهل صغير وان كان شيخا ، والعالم كبير وان كان صغيرا .
قال ابن المعتز : نعمة الجاهل كروضة على مزبلة .
وقالوا : الجهل من أعظم المصائب وأخذل الصواحب ، لأنك لا ترى الجاهل الا مفرطا أو مفرّطا .
وقال علي عليه السّلام : لا داء أعيى من الجهل .
وقالوا : لسان الجاهل مفتاح حتفه .
وحينئذ أقول : ان العلم لشرف عظيم في نفسه مع قطع النظر عما يترتب عليه في الدنيا والآخرة ، وأدنى ما هناك : أن من لم يكتسب بالعلم ما لا اكتسب به في الدنيا جمالا وفي الآخرة اقبالا .
وأما ما يحصل به من الابتهاج النفسي واللذة العقلية فمما لا يتصور أدناه الجنان ، ولا يعرب عن مباديه ذو الفصاحة والبيان ، إذ هو مختلف المقادير والأحوال بحسب اختلاف الرجال في الاكثار منه والاقلال .
بل غاية ما أقول : من لم يذق لم يعرف المحصول .
فينبغي لمن زهد فيه أن يكون فيه راغبا ، ولمن رغب فيه أن يكون له طالبا ، ولمن طلبه أن يكون منه مستكثرا ، ولمن استكثر منه أن يكون به عاملا ، ولا يطلب لتركه احتجاجا ، ولا لتقصيره عذرا ، ولا يسوّف نفسه بالمواعيد الكاذبة ، ويمنّيها بانقطاع الاشغال المتصلة فان لكل وقت شغلا ولكل زمان
نور الحقيقة ونور الحديقة — صفحة 72
مساهمون: حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي (والد الشيخ البهائي)
ص٧٢