وان كان لا بد من الضرب وغليظ القول في بعض الموارد ، لا سيما إذا كان فائقا مميزا ، فإنه ربما كان ذلك أردع له .
فالحاصل : ان المعلم كالطبيب ، أو كالأمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يجوز له التعدّي إلى الاعلى الّا بعد تعذر الأدنى .
( وثانيهما ) أدب الانسان عند كبره ، وهو أدبان :
أدب مواضعة واصطلاح ، وأدب رياضة واستصلاح .
أما الأول : فيؤخذ تقليدا على ما استقر عليه اصطلاح العقلاء ، واستحسنه الأدباء ، وليس لاصطلاحهم على وضعه تعليل ولا لهم على اختياره دليل في الغالب ، كاصطلاحهم على مواضعات الخطاب ، وهيئآت اللباس ، ونحو ذلك .
فإذا جاوز الانسان ما هم عليه من ذلك صار مجانبا للأدب مستوجبا للذم ، لان فراق المألوف في العادة موجب لذلك .
ولهذا قال الشاعر :
ان جئت أرضا أهلها كلهم * عور فغمّض عينك الواحدة
ثم إن هذه الآداب لأجل اختلافها بتنقّل الأحوال ، وتغيّر العادات لا يمكن استيعابها ، وانما يذكر كل انسان ويتعاطى ما بلغه الوسع من آداب زمانه واستحسنه العرف من عادات مكانه .
واما الثاني : نعني أدب الرياضة والاستصلاح : فهو ما كان على حالة لا يجوز في العقل خلافها ، فهو مما لا يختلف العقلاء فيه . .
وأول مقدماته ان لا يسبق المرء إلى حسن الظن بنفسه ، فيخفى عنه مذموم شيمه ومساوىء أخلاقه .
قال اللّه تعالى :
« إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ »
« 1 » .
هامش
( 1 ) ( سورة يوسف : 12 / 53 ) .