صلبه ولد يصير أهل المشرق والمغرب تبعا له .
قال أبي : فهمني أمر عبد الله إلى أن تزوج بآمنة ، وكانت من أجمل نساء قريش ،
وأتمها خلقا ، فلما مات عبد الله وولدت آمنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أتيته ، فرأيت
النور بين عينيه يزهر ، فحملته وتفرست في وجهه ، فوجدت منه ريح المسك ،
وصرت كأني قطعة مسك من شدة ريحي ، فحدثتني آمنة وقالت لي : إنه لما أخذني
الطلق واشتد بي الامر ، سمعت جلبة ( 1 ) وكلاما لا يشبه كلام الآدميين ، ورأيت علما
من سندس على قضيب من ياقوت قد ضرب بين السماء والأرض ، ورأيت نورا
يسطع من رأسه حتى بلغ السماء ، ورأيت قصور الشامات كأنها شعلة نار نورا ، ورأيت
حولي من القطاة أمرا عظيما ، قد نشرت أجنحتها حولي ، ورأيت شعيرة الأسدية قد
مرت وهي تقول : آمنة ، ما لقيت الكهان والأصنام من ولدك !
ورأيت رجلا شابا من أتم الناس طولا ، وأشدهم بياضا ، وأحسنهم ثيابا ، ما
ظننته إلا عبد المطلب ، قد دنا مني فأخذ المولود ، فتفل في فيه ، ومعه طست من
ذهب مضروب بالزمرد ، ومشط من ذهب ، فشق بطنه شقا ، ثم أخرج قلبه فشقه ،
فأخرج منه نكتة سوداء فرمى بها ، ثم أخرج صرة من حريرة خضراء ففتحها ، فإذا فيها
كالذريرة ( 2 ) البيضاء فحشاه ، ثم رده إلى ما كان ، ومسح على بطنه ، واستنطقه فنطق ،
فلم أفهم ما قال ، إلا أنه قال : في أمان الله وحفظه وكلاءته ، قد حشوت قلبك إيمانا
وعلما وحلما ويقينا وعقلا وشجاعة ، أنت خير البشر ، طوبى لمن اتبعك ، وويل لمن
تخلف عنك . ثم أخرج صرة أخرى من حريرة بيضاء ففتحها فإذا فيها خاتم ، فضرب
على كتفيه ، ثم قال : أمرني ربي أن أنفخ فيك من روح القدس . فنفخ فيه ، وألبسه
قميصا ، وقال : هذا أمانك من آفات الدنيا . فهذا ما رأيت - يا عباس - بعيني .
قال العباس : وأنا يومئذ أقرأ ، فكشفت عن ثوبه ، فإذا خاتم النبوة بين كتفيه ، فلم
هامش
( 1 ) الجلبة : الصياح والصخب .
( 2 ) الذريرة : ما يذر في العين وعلى الجرح من دواء يابس وعلى الطعام من ملح مسحوق .