عسكر عبيد الله بن زياد ، فنادى الأمير في معسكره : من جاء برأس واحد منهما فله
ألف درهم ، ومن جاء برأسيهما فله ألفا درهم ، فقد أتعبت وتعبت ولم يصل في يدي
شئ .
فقالت العجوز : يا ختني ، احذر أن يكون محمد خصمك في يوم القيامة . قال
لها : ويحك إن الدنيا محرص عليها . فقالت : وما تصنع بالدنيا ، وليس معها آخرة ؟ قال :
إني لأراك تحامين عنهما ، كأن عندك من طلب الأمير شيئا ، فقومي فإن الأمير يدعوك .
قالت : وما يصنع الأمير بي ، وإنما أنا عجوز في هذه البرية ؟ قال : إنما لي طلب ، افتحي
لي الباب حتى أريح وأستريح ، فإذا أصبحت بكرت في أي الطريق آخذ في طلبهما .
ففتحت له الباب ، وأتته بطعام وشراب فأكل وشرب .
فلما كان في بعض الليل سمع غطيط ( 1 ) الغلامين في جوف البيت ، فأقبل يهيج
كما يهيج البعير الهائج ، ويخور كما يخور الثور ، ويلمس بكفه جدار البيت حتى وقعت
يده على جنب الغلام الصغير ، فقال له : من هذا ؟ قال : أما أنا فصاحب المنزل ، فمن
أنتما ؟ فأقبل الصغير يحرك الكبير ويقول : قم يا حبيبي ، فقد والله وقعنا فيما كنا نحاذره .
قال لهما : من أنتما ؟ قالا له : يا شيخ ، إن نحن صدقناك فلنا الأمان ؟ قال : نعم .
قالا : أمان الله وأمان رسوله ، وذمة الله وذمة رسوله ؟ قال : نعم . قالا : ومحمد بن عبد الله
على ذلك من الشاهدين ؟ قال : نعم . قالا : والله على ما نقول وكيل وشهيد ؟ قال : نعم .
قالا له : يا شيخ ، فنحن من عترة نبيك محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، هربنا من سجن عبيد الله بن
زياد من القتل . فقال لهما : من الموت هربتما ، وإلى الموت وقعتما ، الحمد لله الذي
أظفرني بكما . فقام إلى الغلامين فشد أكتافهما ، فبات الغلامان ليلتهما مكتفين .
فلما انفجر عمود الصبح ، دعا غلاما له أسود ، يقال له : فليح ، فقال : خذ هذين
الغلامين ، فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات ، واضرب عنقيهما ، وائتني برأسيهما
لأنطلق بهما إلى عبيد الله بن زياد ، وآخذ جائزة ألفي درهم .
هامش
( 1 ) الغطيط : الصوت الذي يخرج مع نفس النائم .