وأما اليبوسة فأكثر ما يحتاج إليها الماسكة ، لما عرفت ، ثم الدافعة عند جالينوس وهو الصحيح ؛ إذ لو رطبت لاسترخت فدفعت ما لا ينبغي . ثم الجاذبة عند الشيخ وكثير من الاسلاميين ؛ لاحتياجها إلى شدة في الكيف تشتمل بها على الاجزاء وهذا شأن الماسكة .
وأما الرطوبة فأشد القوى حاجة إليها الهاضمة ؛ لأن حركتها مكانية وكيفية ولا يتمان إلّا بها ، فالجاذبة في الأصح . والدافعة عند قوم هي أحوج ولا حاجة بالماسكة إلى رطوبة اصلًا .
وأما الحرارة فأكثر ما يحتاج إليها الهاضمة ، ثم الجاذبة ؛ لاحتياجها إلى الحركة ، ثم الدافعة . وهل تدخل في الماسكة ؟ قال الشيخ نعم .
وهو الصحيح ؛ لأن بالحرارة قوام مطلق الحياة . ومنعه جالينوس وكثير من اتباعه لما مر من الحاجة إلى ضدها . والجواب عدم التنافي .
الثالث : نقل بعض المُعَربين من ابقراط واثنادفلس وروفس ما ترجمته بالعربية : أن هذه القوى واحدة بالذات ثم تكون جاذبة عند حاجة الجذب هاضمة عند احتياجها إليه وهكذا . وهذا فاسد لا يجوز فهمه :
أما أوّلا : فلأنه لو جاز لصدر عن الواحد افعال كثيرة ، وقد عرفت بطلانه ؛ ولانا نشاهد هذه الأفعال تختلف في عضو واحد فإن المستسقي تقوى فيه هاضمة الكبد وتضعف دافعته ، وصاحب عسر البول تقوى فيه الماسكة والجاذبة دون البواقي إلى غير ذلك .
وأما ثانياً : فلأن صورة كلام ابقراط : ونبطاسيا سرهافة سنفاجة في المساريق . وهذا ظاهر فيما ادعيناه ؛ لأن معنى « نبطاسيا » جنس القوة و « سرهافة » يعني متعددة و « سنفاجة » أربعة و « المساريق » الأعضاء . وأظن أن المُعرب تصحفت عليه سرهافة بسنكافة ؛ لأن كاف اليونانيين وراءهم واحدة ، إلّا أن الكاف في رأسها حلقة فكأنها سقطت من الخط وسنكافة واحدة ؛
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة — صفحة 129
مساهمون: الشيخ داود الأنطاكي
ص١٢٩