كلمة المحقق
في تراثنا القديم ثروات كبيرة جدا من العلوم والمعارف والفنون ،
فان علماء الاسلام لم يدعوا علما من العلوم إلا وبحثوه بحثا عميقا ، ولم يقفوا
على جانب من جوانب المعرفة إلا ودرسوه دراسات طويلة ، ولم يكن في
زمانهم فن من الفنون إلا وأشبعوه تدقيقا وتمحيصا ، وخلفوا للأجيال
المقبلة أنواعا من العلوم وطوائف من المعرفة وظرائف من الفنون .
وما هذه المعارف التي بأيدينا اليوم - فتية غضة - إلا إشعاعات من تلك
اللمعة الوضاءة التي أناروا بها طريقنا بما بذلوه من جهود جبارة وأتعاب
منهكة ، ولولا تلك المثابرة الطويلة وذلك الجهد المتواصل لما وصلت إلينا هذه
العلوم ولما جنينا منها هذه الثمار المبروكة .
ولكن الذي يؤسف عليه أشد الأسف أن تلك الكنوز الغنية والذخائر
القيمة لم تصل إلينا كاملة غير منقوصة ، وبصورة جلية يمكننا الوقوف عليها
وقوفا يغنينا عن جهد كبير ، والارتواء من مناهلها العذبة الروية ارتواءا
تذهب بغلتنا .
إن الكثير من التراث القديم أبيد بسبب الحروب الطائشة التي أثيرت
في البلاد الاسلامية ، والتي كانت السبب في إفناء هذه الألوف المؤلفة من
الكتب وآثار السلف ، كأن الكتب هي العامل المثير لتلك المنازعات
والمباغضات فيجب أن تكون طعمة للهيب نار الحروب وفداءا رخيصا للدماء
التي أريقت والرؤوس التي حزت والأيدي والأرجل التي قطعت . .