تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
على هذا الأسلوب جاء قول الشاعر « 1 » :
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته * عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
فلو كان على حد قوله تعالى
ولو شاء الله لجمعهم على الهدى
لوجب أن يقول : ولو شئت لبكيت دما ، ولكنه ترك تلك الطريقة وعدل إلى هذه لأنه أليق في هذا الموضع ، وسبب ذلك أنه كان بدعا عجيبا أن يشاء الإنسان أن يبكي دما ؛ فلما كان مفعول المشيئة مما يستعظم ويستغرب كان الأحسن أن يذكر ولا يضمر .

الضرب الرابع :

وهو حذف المضاف والمضاف إليه ، وإقامة كل واحد منهما مقام الآخر ، وذلك باب عريض طويل شائع في كلام العرب ، وإن كان أبو الحسن الأخفش رحمه اللّه لا يرى القياس عليه . فأما حذف المضاف فكقوله تعالى :
حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون
فحذف المضاف إلى يأجوج ومأجوج ، وهو سدّهما ، كما حذف المضاف إلى القرية في قوله تعالى :
وسئل القرية
أي : أهل القرية . ومن ذلك أيضا قوله عزّ وجلّ :
ولكن البر من اتقى
أي : خصلة من اتقى ، وإن شئت كان تقديره ولكن ذا البر من اتقى ، والأولى أولى ؛ لأن حذف المضاف ضرب من الاتساع ، والخبر أولى بذلك من المبتدأ ؛ لأن الاتساع بحذف الأعجاز أولى منه بحذف الصدور . وقد حذف المضاف مكررا في قوله تعالى :
فقبضت قبضة من أثر الرسول
أي : من أثر حافر فرس الرسول ؛ وهذا الضرب أكثر اتساعا من غيره . ومما جاء منه شعرا قول بعضهم من شعراء الحماسة « 2 » :
هامش
( 1 ) هو للخزيمي يرثي أبا الهيذام من كلمة أولها قوله :قضى وطرا منك الحبيب المودّع * وحلّ الّذي لا يستطاع فيدفع( 2 ) نسبهما أبو هلال لجثامة بن قيس أخي بلعاء بن قيس ، وانظر شرح التبريزي ( 4 - 175 ) .
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 93 | محمد محي الدين عبد الحميد / ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي