دعاني يزيد بعد ما ساء ظنّه * وعبس وقد كانا على جدّ منكب
وقد علما أنّ العشيرة كلّها * سوى محضري من حاضرين وغيّب
فالمفعول الثاني من « علما » محذوف ؛ لأن قوله : « أن العشيرة » في موضع مفعول علما الأول ، وتقدير الكلام : قد علما أن العشيرة سوى محضري من حاضرين وغيب لا غناء عندهم ، أو سواء حضورهم وغيبتهم ، أو ما جرى هذا المجرى .
ومن هذا الضرب أيضا حذف المفعول الوارد بعد المشيئة والإرادة ، كقوله تعالى :
لو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم
فمفعول شاء هاهنا محذوف ، وتقديره ولو شاء اللّه أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها .
وعلى نحو من ذلك جاء قوله تعالى :
ولو شاء الله لجمعهم على الهدى
ومما جاء على مثال ذلك شعرا قول البحتري « 1 » :
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم * كرما ولم تهدم مآثر خالد
الأصل في ذلك : لو شئت ألّا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها ؛ فحذف ذلك من الأول استغناء بدلالته عليه في الثاني .
وقد تقدم أن من الواجب في حكم البلاغة ألّا تنطق بالمحذوف ولا تظهره إلى اللفظ ، ولو أظهرت لصرت إلى كلام غث .
ومجيء المشيئة بعد « لو » وبعد حروف الجزاء هكذا موقوفة غير معدّاة إلى شيء كثير شائع بين البلغاء ، ولقد تكاثر هذا الحذف في « شاء » و « أراد » حتى إنهم لا يكادون يبرزون المفعول ، إلا في الشيء المستغرب ، كقوله تعالى :
لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء
.
هامش
( 1 ) من كلمة له يمدح فيها الخضر بن أحمد الثعلبي ، وأولها قوله :عجبا لطيف خيالك المتعاهد * ولوصلك المتقارب المتباعد