النوع الثالث والعشرون في التخلص والاقتضاب
وهذا النوع أيضا كالذي قبله في أنه أحد الأركان الخمسة التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل التاسع من مقدمة الكتاب .
وينبغي لك أيها المتوشح لهذه الفضيلة أن تصرف إليه جلّ همتك ؛ فإنه مهمّ عظيم من مهمات البلاغة .
أما التخلص - وهو أن يأخذ مؤلّف الكلام في معنى من المعاني فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره وجعل الأول سببا إليه - فيكون بعضه آخذا برقاب بعض ؛ من غير أن يقطع كلامه ، ويستأنف كلاما آخر ، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا ، وذلك مما يدلّ على حذق الشاعر ، وقوة تصرفه ؛ من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه ، ويكون متبعا للوزن والقافية فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته ، وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء ؛ فلذلك يشقّ التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر .
وأما الاقتضاب فإنه ضدّ التخلص ، وذاك : أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك ، ولا يكون للثاني علاقة بالأول .
وهو مذهب العرب ومن يليهم من المخضرمين ، وأما المحدثون فإنهم تصرفوا في التخلص فأبدعوا وأظهروا منه كل غريبة .
فمن ذلك قول أبي تمام « 1 » :
هامش
( 1 ) هما بيتان مفردان يمدح فيهما عبد اللّه بن طاهر وكان قد خرج إليه .