تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
ومما يكره من الابتداءات قول أبي تمام :
تجرّع أسى قد أقفر الجرع الفرد « 1 »
وإنما ألقى أبا تمام في مثل هذا المكروه تتبّعه للتجنيس بين تجرع والجرع ، وهذا دأب الرجل ؛ فإنه كثيرا ما يقع في مثل ذلك . وكذلك استقبح قول البحتري :
فؤاد ملاه الحزن حتّى تصدّعا « 2 »
فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع ، وهو أجدر بأن يكون ابتداء مرئية لا مديح ، وما أعلم كيف يخفى على مثل البحتري وهو من مفلقي الشعراء . وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه وجمع أهله وأصحابه ، وأمرهم أن يخرجوا في زينتهم ؛ فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم ؛ فاستأذن إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد ، فأذن له ، فأنشد شعرا حسنا أجاد فيه ، إلا أنه استفتحه بذكر الديار وعفائها ، فقال :
يا دار غيّرك البلى ومحاك * يا ليت شعري ما الّذي أبلاك
فتطير المعتصم بذلك ، وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم كيف ذهب عليه مثل ذلك مع معرفته وعلمه وطول خدمته للملوك ، ثم أقاموا يومهم وانصرفوا ، فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس ، وخرج المعتصم إلى سرّ من رأى ، وخرب القصر . فإذا أراد الشاعر أن يذكر دارا في مديحه فليذكر كما ذكر أشجع السّلميّ حيث قال :
هامش
( 1 ) هذا صدر مطلع قصيدة له يمدح فيها محمد بن الهيثم بن شبابة ، وعجزه قوله :ودع جسي عين يحتلب ماءه الوجد( 2 ) لم أجد هذا في شعر البحتري ، وإنما وجدت له بيتا قريبا من معنى ذلك وهو قوله رابع بيت من قصيدة يمدح فيها الحسن بن وهب :على أنّ قلبي قد تصدّع شمله * فنونا لشمل البيض حين تصدّعا