وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه ، وكان سمعه بعض المتأخرين من أهل زماننا ، فأجاب عنه ببيتين على وزنه وقافيته ، وهما :
سؤالك جلمود من الصّخر أسود * خفيف لطيف ناعم الجسم أطلس
أقيم بسوق الصّرف حكما كأنّه * من الزّنج قاض بالخلوق مطلّس
وقد رأيت هذا الشاعر ، وهو حائك بجزيرة ابن عمر ، وليس عنده من أسباب الأدب شيء سوى أنه قد أصلح لسانه بطرف يسير من علم النحو لا غير ، وهو مع ذلك يقول الشعر طبعا ، وكان يجيد في الكثير منه .
ومن الألغاز ما يرد على حكم المسائل الفقهية ، كالذي أورده الحريري في مقاماته ، وكنت سئلت عن مسألة منه ، وهي :
ولي خالة وأنا خالها * ولي عمّة وأنا عمّها
فأمّا الّتي أنا عمّ لها * فإنّ أبي أمّه أمّها
أبوها أخي وأخوها أبي * ولي خالة هكذا حكمها
فأين الفقيه الذي عنده * فنون الدّراية أو علمها
يبيّن لنا نسبا خالصا * ويكشف للنّفس ما همّها
فلسنا مجوسا ولا مشركين * شريعة أحمد نأتمّها
وهذه المسألة كتبت إليّ فتأملتها تأمل غير ملجلج في الفكر ، ولم ألبث أن انكشف لي ما تحتها من اللغز ، وهو أن الخالة التي الرجل خالها تصور على هذه الصورة ، وذاك أن رجلا تزوج امرأتين : اسم إحداهما عائشة ، واسم الأخرى فاطمة ، فأولد عائشة بنتا ، وأولد فاطمة ابنا ، ثم زوج بنته من أبي امرأته فاطمة ، فجاءت ببنت ، فتلك البنت هي خالة ابنه ، وهو خالها ؛ لأنه أخو أمها . وأما العمة التي هو عمّها فصورتها أن رجلا له ولد ، ولولده أخ من أمه ، فزوج أخاه من أمه أمّ أبيه ، فجاء بنت ، فتلك البنت هي عمته ؛ لأنها أخت أبيه ، وهو عمها ؛ لأنه أخو أبيها ، وأما قوله « ولي خالة هكذا حكمها » فهو أن تكون أمها أخته ، وأختها أمه ، كما قال « أبوها أخي