على أن المخطئ في التصريف أندر « 1 » وقوعا من المخطئ في النحو ؛ لأنه قلما يقع له كلمة يحتاج في استعمالها إلى الإبدال والنقل في حروفها ، وأما النحو فإنه يقع الخطأ فيه كثيرا حتى إنه ليشذ في ظاهره في بعض الأحوال ، فكيف خافيه ؟
كقول أبي نواس في الأمين « 2 » محمد رحمه اللّه :
يا خير من كان ومن يكون * إلّا النّبيّ الطّاهر الميمون
فرفع في الاستثناء من الموجب ، وهذا من ظواهر النحو ، وليس من خافيه في شيء ، وكذلك قال أبو الطيب المتنبي :
أرأيت همّة ناقتي في ناقة * نقلت يدا سرحا وخفّا مجمرا « 3 »
تركت دخان الرّمث في أوطانها * طلبا لقوم يوقدون العنبرا « 4 »
وتكرّمت ركباتها عن مبرك * تقعان فيه وليس مسكا أذفرا « 5 »
فجمع في حال التثنية ؛ لأن الناقة ليس لها إلا ركبتان ، فقال : ركبات ، وهذا من أظهر ظواهر النحو ، وقد خفي على مثل المتنبي .
هامش
( 1 ) في بعض النسخ « أنزر » والنزر ( بفتح فسكون ) كالنادر ، كلاهما بمعنى القليل .
( 2 ) هذا مما أخذ على أبي نواس من قديم ، وقد ذكره قدامة في نقد الشعر ( ص 73 ) وذكره المرزباني في الموشح ( ص 266 وص 272 ) وفي الموشح شيء من مآخذ العلماء على أبي نواس ( من ص 263 - 289 ) .
( 3 ) هذه الأبيات من قصيدة للمتنبي يمدح فيها أبا الفضل محمد بن العميد ، وأولها قوله :باد هواك صبرت أم لم تصبرا * وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرىوالسرح - بضم السين والراء - : السهلة السير ، والخف المجمر : الشديد الصلب الذي نكتته الحجارة وليس بواسع ولا ضيق .
( 4 ) الرمث : نبت يوقد به ، وهو من مراعي الإبل ، والمراد أنه ترك الأعراب الذين يوقدون هذا النبات ، وانتجع قوما وقودهم العنبر .
( 5 ) الأذفر : الشديد الرائحة .