تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
والتقريظ لمعرفته وصناعته ، وهذا عيب قبيح يحبط عمل الإنسان ، ويوجب المقت من اللّه والعباد ؛ ومنها أنه قد أومأ مرارا في كتابه إلى عتاب دهره ، إذ لم يعطه على قدر استحقاقه ، فأردنا أن نعرّفه أن الأرزاق ليست على مقادير الاستحقاق ، وأن الرزق مقسوم لا يجلبه الفضل ، ولا يرده النقص ؛ ومنها أن جماعة من أكابر الموصل قد حسن ظنهم في هذا الكتاب جدا ، وتعصبوا له حتى فضلوه على أكثر الكتب المصنفة في هذا الفن ، وأوصلوا منه نسخا معدودة إلى مدينة السلام ( بغداد ) وأشاعوه ، وتداوله كثير من أهلها ؛ فاعترضت عليه بهذا الكتاب ، وتقربت به إلى الخزانة الشريفة المقدسة النبوية الإمامية المستنصرية ، عمر اللّه تعالى بعمارتها أندية الفضل ورباعه وأطال بطول بقاء مالكها يد العلم وباعه ، وجعل ملائكة السماء أنصاره وأشياعه ، كما جعل ملوك الأرض أعوانه وأتباعه ؛ وكان أكثر قصدي في ذلك أن يعلم مصنف هذا الكتاب ورؤساء بلدته أن من أصاغر خدم هذه الدولة الشريفة - ولا أعني نفسي فالعجب مبير ، ولا أنبئ عني فمثلي كثير ( ثم أخذ في مديح رجال مملكته بما يطول ) - وهذا الكتاب وقع إليّ في غرة ذي الحجة من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ؛ فتصفحته أوّلا أولا في ضمن الأشغال الديوانية التي أنا بصددها ، وعلقت هذا الكتاب في أثناء تصفحه على المواضع المستدركة فيه إلى نصف الشهر المذكور فكان مجموع مطالعتي له واعتراضي عليه خمسة عشر يوما ، ولم أعاود النظر فيه دفعة ثانية ، وربما يسنح لي عند المعاودة نكت أخرى ، وإن وقع ذلك ألحقتها ، وقد سميت هذا الكتاب « الفلك الدائر ، على المثل السائر » ؛ لأنه شاع في كلامهم وكثر في استعمالهم أن يقولوا لما باد ودثر : قد دار عليه الفلك ، كأنهم يريدون أنه قد طحنه ومحا صورته ، ومن ذلك قول أبي العتاهية :
إن كنت تنشدهم فإنّهم * همدوا ودار عليهم الفلك
وأنا أسأل اللّه المعونة والتوفيق ، وأستمنحه الهداية إلى سواء الطريق ؛ بمنّه وكرمه » اه كلامه بحروفه .