كرامته » ( « 1 » ) .
ومن كحّل الله عين بصيرته بنور العرفان وهداه إلى طريق الإيقان فهو يعرِفُ أهلَ الجنّة من النّاس من أصحاب النّيران ، ويشاهد نعيم هؤلاء وعذاب هؤلاء رؤية عيان ، وهو بَعُدَ في الدّنيا لمشاهدة أعمالهم وأخلاقهم وهيآتهم وغير ذلك ، كما أخبر عنه أئمّتنا ( ع ) أنّهم يشاهدون ذلك .
وروى في الكافي بإسناده عن الصّادق ( ع ) قال : « اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ( ص ) حَارِثَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ النّعْمَانِ الْأَنْصَارِى ، فَقَالَ لَهُ : كَيفَ أَنْتَ يا حَارِثَةَ بْنَ مَالِكٍ ؟ فَقَالَ : يا رَسُولَ اللهِ ! مُؤْمِنٌ حَقّاً . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ( ص ) : لِكُلّ شَىءٍ حَقِيقَةٌ ، فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكَ ؟ فَقَالَ : ( يا رَسُولَ اللهِ ! ) عَزَفَتْ نَفْسِى عَنِ الدّنْيا ، فَأَسْهَرَتْ لَيلِى وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرِى ، وَكَأَنّى أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبّى وَقَدْ وُضِعَ لِلْحِسَابِ ، وَكَأَنّى أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنّةِ يتَزَاوَرُونَ فِى الْجَنّةِ ، وَكَأَنّى أَسْمَعُ عُوَاءَ أَهْلِ النّارِ ( فِى النّارِ ) فَقَالَ ( لَهُ رَسُولُ الله ( ص ) ) : عَبْدٌ نَوّرَ اللهُ قَلْبَهُ ، أَبْصَرْتَ ، فَاثْبُتْ » ( « 2 » ) .
هامش
( 1 ) - الحكمة المتعالية : 5 / 294 ، الباب الحادي عشر ، الفصل العشرون .
( 2 ) - الكافي : 2 / 54 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التفكّر ، ح 3 ؛ عزف نفسَه عن كذا : منعها عنه ، أظمأ : عطّش شديداً ، هواجر : جمع الهاجرة وهي : نصف النّهار عند اشتداد الحرّ ، لأنّ الناس يسكنون في بيوتهم كأنّهم قد تهاجروا من شدّة الحرّ ، يتزاورون : زار بعضهم بعضاً ، العُواء : صيحة الكلب والذّئب ؛ قال المؤلّف في ( الوافي : 3 / 149 - 151 ) : « « الهاجرة » اشتداد الحرّ نصف النهار ؛ و « العزوف عن الشيء » الزهد فيه ؛ و « الاستطراخ » الاستغاثة ؛ وهذا التنوير الذي أشير به في الحديث إنّما يحصل بزيادة الإيمان وشدّة اليقين ، فإنّهما ينتهيان بصاحبهما إلى أن يطّلع على حقائق الأشياء محسوساتها ومعقولاتها ، فينكشف له حجبها وأستارها فيعرفها بعين اليقين على ما هي عليه من غير وصمة ريب أو شائبة شكّ ؛ فيطمئنّ لها قلبه
ويستريح بها روحه ، وهذا هي الحكمة الحقيقيّة التي من أوتيها فقد أوتي خيرذ كثيرذ ، وإليه أشار أمير المؤمنين بقوله : « هجم بهم العلم على حقائق الأمور وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى » . أراد ب - « ما استوعره المترفون » يعني المتنعّمون رفض الشهوات البدنيّة وقطع التعلّقات الدنيويّة وملازمة الصمت والسهر والجوع والمراقبة والاحتراز عمّا لا يعني ونحو ذلك . وإنّما يتيسّر ذلك بالتجافي عن دار الغرور والترقّي إلى عالم النور والأنس بالله والوحشة ممّا سواه وصيرورة الهموم جميعذ همّذ واحدذ ، وذلك لأنّ القلب مستعدّ لأن يتجلّى فيه حقيقة الحقّ في الأشياء كلّها من اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة وإنّما حيل بينه وبينها حجب كنقصان في جوهره أو كدورة تراكمت عليه من كثرة الشهوات أو عدول به عن جهة الحقيقة المطلوبة أو اعتقاد سبق إليه ورسخ فيه على سبيل التقليد والقبول بحسن الظنّ أو جهل بالجهة التي منها يقع العثور على المطلوب وإلى بعض هذه الحجب أشير في الحديث النبويّ : « لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني أدم لنظروا إلى ملكوت السماء » .