أمّا بعد ، فإنّ خير الناس عند اللّه غدا أعملهم بطاعته فيما عليه وله ، وأقواهم بالحقّ وإن كان مرّا . ألا بالحقّ قامت السماوات والأرض فيما بين العباد ، فلتكن سريرتك فعلا وليكن حكمك واحدا وطريقتك مستقيمة . واعلم أنّ البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن . . . ( 85 ) إلى آخر ما مرّ . قوله - عليه السلام - « فيما بين العباد » حال عن الحقّ أو ظرف للقيام لكونه عبارة عمّا ينفع العباد ويصير سببا لانتظام أمورهم . « فلتكن سريرتك فعلا » أي لا تضمر خلاف ما تفعل ولا تخدع الناس . قوله - عليه السلام - « ومغرس الفتن » ، قال ابن أبي الحديد : أي موضع غرسها ، ويروى بالعين المهملة وهو الموضع الّذي ينزل فيه القوم آخر الليل . « فحادث أهلها » أي تعهدهم بالإحسان . ( 86 ) قال في النهاية فيه : « حادثوا هذه القلوب بذكر اللّه » أي أجلوها واغسلوا الدرن عنها وتعاهدوها بذلك كما يحادث السيف بالصقال . وفي الصحاح قال الأصمعي : « تنمّر له » أي تنكّر له وتغيّر وأوعده لأنّ النمر لا تلقاه أبدا إلّا متنكّرا غضبان . و « تنمّروا » تشبّهوا بالنمر . « لم يغب لهم نجم » أي لم يمت لهم سيّد إلّا قام آخر مقامه . وقال ابن ميثم ( 8 ) : « الوغم » الترة و « الأوغام » الترات ، أي لم يهدر لهم دم في جاهلية ولا في إسلام ، يصفهم بالشجاعة والحميّة ( 88 ) . فالمضاف محذوف أي لم يسبقوا بشفاه حقد من عدوّ . ويحتمل أن يكون المعنى أنّهم لم يسبقهم أحد إلى الترات والأحقاد لشرف نفوسهم بقلّة احتمالهم للأذى وذلك لأنّ المهين الحقير في نفسه
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 53
مساهمون: علي أنصاريان
ص٥٣
هامش
( 85 ) - شرح النهج لابن ميثم ، ج 4 ، ص 395 .
( 86 ) - شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 125 ، ط بيروت .
( 8 ) 7 - إنّ هذا القول لابن أبي الحديد ، وقد ورد هنا سهوا من قبل المصنّف - رحمه اللهّ - . وأمّا كلام ابن ميثم يكون من جملة « لم يسبقوا بشفاه . . . » إلى جملة « . . . بن مضر . »
( 88 ) - شرح النهج لابن أبي الحديد ، ج 15 ، ص 126 ، ط بيروت .