أفعال القلوب ، فأفعال الجوارح إمّا قول باللّسان أو عمل ببعض الجوارح وعبّر عن سائر الجوارح عدا اللّسان بالأيدي والأقدام لأنّ أكثرها ما يفعل بها ، وإن كان قد يفعل بغيرها نحو مجامعة الرّجل زوجته إذا قصد به تحصينها وتحصينه عن الزنا ونحو أن ينحّي حجرا ثقيلا برأسه عن صدر إنسان قد كاد يقتله ، وغير ذلك . وأمّا أفعال القلوب فهي العزوم والإرادات والنظر والعلوم والظنون والندم فعبّر - عليه السلام - عن جميع ذلك بصدق النيّة والسريرة الصالحة ، واكتفى بذلك عن تعديد هذه الأجناس . فإن قلت : فإنّ الانسان قد يستحقّ الثواب على أن لا يفعل القبيح وهذا يخرم الحصر الّذي حصره أمير المؤمنين - عليه السلام - . قلت : يجوز أن يكون يذهب مذهب أبي عليّ في أنّ القادر بقدرة لا يخلو عن الفعل والترك . انتهى . قال ابن ميثم - قدّس سرهّ - ( 20 ) : دعا - عليه السلام - لصاحبه بما هو ممكن وهو حطّ السيّئات بسبب المرض ولم يدع له بالأجر عليه معلّلا ذلك بقوله : « فإنّ المرض لا أجر فيه » . والسرّ فيه أنّ الأجر والثواب إنّما يستحقّ بالأفعال المعدّة له كما أشار إليه بقوله : « وإنّما الأجر في القول . . . » إلى قوله « بالأقدام » ، وكنّى بالأقدام عن القيام بالعبادة ، وكذلك ما يكون كالفعل من عدمات الملكات كالصوم ونحوه ، فأمّا المرض ، فليس هو بفعل العبد ولا عدم فعل من شأنه أنه يفعله . فأمّا حطهّ للسيّئات ، فباعتبار أمرين : أحدهما أنّ المريض تنكسر شهوته وغضبه اللّذين هما مبدأ الذنوب والمعاصي ومادّتهما ، الثاني أنّ من شأن المرض أن يرجع الانسان فيه إلى ربهّ بالتوبة والندم على المعصية والعزم على ترك مثلها ، كما قال - تعالى - : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لجِنَبْهِِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً - الآية . ( 21 )
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 349
مساهمون: علي أنصاريان
ص٣٤٩
هامش
( 20 ) - شرح النهج لابن ميثم ، ج 5 ، ص 264 .
( 21 ) - يونس : 12 .