فإنه لا يمتنع أن تكون العلة أولا موجودة لشيء فيكون ذلك الشيء معلولا لها ، ثم تكون العلة بتوسط ذلك المعلول لمعلول آخر « 1 » ، فتكون هذه الواسطة معلولة « 2 » في الوجود للأكبر ، لكنها « 3 » علة لوجود علة في معلول آخر . وليس سواء أن نقول " وجود الشيء " ، وأن نقول " وجود الشيء في الشيء " « 4 » . ولا يتناقض أن نقول هذا معلول الشيء ، ثم نقول لكنه علة لوجود هذا الشيء في معلول آخر : فإن حركة النار مثلا معلولة لطبيعتها ، ثم قد تصير علة لحصول طبيعتها عند الشيء الذي حصلت عنده ففعلت فيه . ولذلك هي التي تجعل حدا أوسط دون نفس طبيعة النار ، فإن نفس طبيعة النار لا تكون علة الإحراق « 5 » بذاتها إلا بتوسط معلول هو مماستها للمحترق أو حركتها إليه مثلا .
فالشيء الذي هو علة لوجود الأكبر مطلقا ، فهو علة له في كل موضوع ، ولوجوده في كل أصغر . وإلا فهو علة لا لوجوده مطلقا ، ولكن لوجوده في موضوع ما . فأما العلة لوجود الأكبر في الأصغر فليس يجب أن تكون لا محالة علة للأكبر ، بل ربما كان معلولا له على الوجه الذي قلنا .
وليس لقائل أن يقول : يجب من قولكم أن يكون ما هو علة لوجود الشيء فهو علة في وجوده لما وجد له ، وإذا كان كذلك ، فمتى كان الأكبر علة لوجود الأوسط ، كان علة له حيث كان ، فكان علة له في وجوده للأصغر : فلم يكن هو علة لوجود « 6 » الأكبر في الأصغر ، بل معلولا له .
ومحال أن يكون المعلول علة علته « 7 » . فإن الجواب عن ذلك أنه يجوز أن يكون الأوسط والأكبر لكل واحد منهما ذات ولكل واحدة من الذاتين كون في شيء ، فيكون الأكبر من حيث هو ذاته علة للأوسط من حيث هو ذاته ، ويكون لكل واحد منهما اعتبار كونه في شيء هو « 8 » غير اعتبار ذاته . فإن كان ذات الأوسط لا تتحقق موجودة إلا أن تكون في ذلك الأصغر « 9 » ، فلا شك في أن الأكبر علة لوجوده في الأصغر . وأما إن كان ذلك أمرا لا يلزمه ، فيجوز أن يكون شيء آخر علة لذلك . ويجوز أن يكون الأكبر علة لذلك . وكيف كان ، فإن ذات « 10 »
هامش
( 1 ) أي تكون العلة لمعلول آخر بتوسط ذلك المعلول .
( 2 ) س معلولا .
( 3 ) س لكنه .
( 4 ) س في شيء .
( 5 ) س للإحراق .
( 6 ) م في وجود .
( 7 ) س ساقطة .
( 8 ) س وهو .
( 9 ) س لا تتحقق موجودا إلا أن تكون موجودا في ذلك الأصغر .
( 10 ) ص ساقطة .