ويعنى ابن سينا عناية كبرى بالتفرقة بين الواجب والممكن « 1 » ، وهي متفرقة عزيزة عليه ، لأنها تعد أساسا لفلسفته كلها ، ولكن هذا بحث ألصق بالميتافزيقى منه بالمنطق .
ثم يحاول أن يحصر القضايا ذوات الجهة ، على نحو ما صنع أرسطو . ولم تقف صور هذه القضايا في الحقيقة عندما قال به المعلم الأول ، بل تفنن فيها تلاميذه وعقدوها بحيث نفر منها الباحثون وأهملها كثير من المناطقة . وإذا كان ابن سينا قد عرض لها في كتبه المنطقية الأخرى كمنطق « النجاة » ، ومنطق « الإشارات « 2 » » فان مناطقه العرب المتأخرين أهملوها إهمالا تاما .
4 - تقابل القضايا : يمت بصلة إلى منطق الحكم ، كما يستخدم في منطق البرهان ، وقد عرض له أرسطو في « كتاب العبارة » ، كما عرض له في « كتاب التحليلات الأولى » وجاراه ابن سينا في ذلك تمام المجاراة ، وإن زاد عليه في حصر أنواع التقابل ، فقد صعد بها إلى أربعة ، وهي القضايا المتناقضة ، والمتضادة ، والداخلة تحت التضاد والمتداخلة .
ويكاد يقصر حديثه كله على التناقض ، لأنه أوضح أنواع التقابل وأقواها « 3 » ، ومبدأ عدم التناقض دعامة أولى من دعائم المنطق الشكلى ولأمر ما أطلق مناطقة العرب جميعا على هذا الباب اسم « تناقض القضايا » .
والتناقض تقابل تام بين النفي والإثبات ، فالقضيتان المتناقضتان هما اللتان تختلفان في الإيجاب والسلب على جهة تقتضى لذاتها أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة « 4 » .
فينبغي أن يؤخذ الموضوع والمحمول في القضيتين بمدلول واحد ، وفي زمن واحد ، مثل :
كل إنسان حيوان ، وبعض الإنسان ليس بحيوان ، أو مثل لا جماد متحرك ، وبعض الجمادات متحرك .
ودون هذا درجات لا يبدو فيها تقابل تام بين الإثبات والنفي ، وأولها التضاد ، وهو تقابل بين كليتين مختلفتى الكيف ، مثل : كل إنسان كاتب ، ولا واحد من الناس بكاتب .
والقضيتان المتضادتان لا تصدقان معا ، وقد تكذبان معا ، والمتضادان في الألفاظ أو القضايا لا يجتمعان ، وقد يرتفعان « 5 » . ويلي هذا مرتبة الدخول تحت التضاد ، وتتحقق
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 117 - 120 .
( 2 ) ابن سينا ، النجاة ، القاهرة 1913 ، ص 25 - 33 ؛ الإشارات ، ليدن ، 1892 ، ص 32 - 43 .
( 3 ) ابن سينا ، كتاب العبارة ، ص 66 - 72 .
( 4 ) المصدر السابق ، ص 66 .
( 5 ) المصدر السابق ، ص 69 .