مناقشة رأي الشهيد الثاني
فظهر أن الخلاف الذي ذكره الشيخ زين الدين : في ( التمهيد ) يجب أن يخصّ بهذا القسم ؛ إذ لا ينبغي الشكّ في عدم مشروعيّة تكرار القسم الأوّل .
فنقول : لو صلَّى على الجنازة واحد أو أكثر دفعة ، شرع لمَنْ يأتي بعد كمالها أن يصلَّي عليها أيضاً بلا شكّ ؛ لما ذُكر من الأخبار وللإجماع ، ولأنه عمل المسلمين جيلًا بعد جيل في سائر الأعصار والأمصار ؛ ولأنه الثابت من صلاة الصحابة على النبيّ صلى الله عليه وآله : بلا نكير من وصيّه عليه السلام .
وكذلك لو سلَّم واحد على متعدّد فردّ عليه واحد مثلًا شرعَ لغيره الردّ بعد كمال ردّ الأوّل بلا شكّ ، وعمل امّة محمَّد صلى الله عليه وآله : على ذلك في سائر الأزمان بلا معارض ولا نكير فيهما .
فحينئذٍ : هل ينوي الآخر بصلاته ، أو ردّه السلام الوجوب ، أو الندب ؟ قولان ، وعلى الأوّل وهو الوجوب ظاهر الشهيد : في ( القواعد ) و ( الذكرى ) قال في ( القواعد ) : ( ينبغي أن ينوي في الأشياء المحتملة للوجوب الوجوب ، كتلاوة القرآن ، إذْ حفْظه واجب على الكفاية ، وربّما تعيّن على الحافظ له ؛ حذراً من النسيان ، وكطلب العلم ؛ فإنه فريضة على كلّ مسلم ، وكالأمر بالمعروف إن قام غيره مقامه . وبالجملة ، فروض الكفاية كلَّها .
وتجب نيّة الوجوب حيث يتعيّن عليه ، وفي ترك الحرام ينوي الوجوب ، وفي فعل المستحبّ وترك المكروه ينوي الندب ، والله الموفّق ) ( 1 ) ، انتهى .
وذلك لأن الظاهر أنه أراد ب ( ينبغي ) الأحوط ، أي أن الاحتياط المبرئ للذمّة من عهدة التكليف بيقين هو نيّة الوجوب في كلّ واجب كفائيّ مع قيام الغير به . وهذا احتياط وجوبيّ لا يجوز غيره ؛ لعدم يقين الخروج من العهدة بغيره ، ولا يريد به نيّة
هامش
( 1 ) القواعد والفوائد 1 : 117 118 / القاعدة التاسعة والثلاثون ، الفائدة الثانية ، ق 1 ، ف 26 .