( كتاب الفرائض )
جمع فريضة من الفرض ، بمعنى التقدير والقطع ، ومنه :
( نَصِيباً مَفْرُوضاً )
« 1 » .
وفرض الثوب : أيقطعه ، و
( أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها )
« 2 » أيفصّلناها . لا منه [ أيمن الفرض ] بمعنى الإيجاب والإلزام ، أو العطية باعتبار كون الإرث عطية من الشارع ، يقال : فرضت له في الديوان : أيأعطيته . بل لعل استعماله في هذين بمعنى القطع والتقدير عند التأمل ولو مجازاً .
وحينئذٍ فالمراد هنا : السهام المقدرة في كتاب اللَّه ، فتكون أخصّ من المواريث ، ولكن عنون بها الكتاب تغليباً أو تبعاً للنص [ 1 ] . أو يراد بها مطلق السهام ولو الحاصلة من السنّة وآية اولي الأرحام « 3 » فتساويها ، والأمر سهل [ 2 ] .
شرح
[ 1 ] ففي النبوي : « تعلّموا الفرائض وعلّموها الناس ، فإني امرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض ، وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما » « 4 » .
[ 2 ] والأصل فيها - بعد إجماع المسلمين بل الضرورة من الدين - الكتاب والسنّة ، بل ورد الحثّ على تعلمها وتعليمها « 5 » ، وأنّها نصف العلم ، وأنّها أوّل ما تنتزع من امّتي « 6 » . وقد ذكر العلماء وجوهاً كثيرة في توجيه التنصيف لا يخلو جميعها أو أكثرها من التعسّف . والأولى كون ذلك مبالغة في كثرة شُعَبِها وتشتّتها وشدّة الحاجة إليها ، فاستحقّت بذلك كونها نصف العلم الذي قد ورد « 7 » الحثّ عليه ، خصوصاً مع شدّة تسامح الناس - سيّما الأعراب ومن شابههم - في المواريث من الجاهلية إلى يومنا هذا ، فإنّهم لا يورّثون النساء والصبيان . حتى أنّه لما مات أوس الأنصاري « 8 » عن زوجة وولد وبنات عَمَدَ أبناء عمّه وأخذوا المال ، فشكت زوجته إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فدعاهم ، فقالوا : يا رسول اللَّه إنّ ولدها لا يركب ولا ينكأ عدوّاً ، فأنزل اللَّه تعالى :( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ )« 9 » - إلى آخرها - ثمّ أنزل( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ )« 10 » - إلى آخرها - ولقد نسخ بذلك وبآية اولي الأرحام « 11 » وغيرها ما كان في الجاهلية من التوارث بالحلف والنصرة الذي - اقرّوا عليه في صدر الإسلام - وعلى التوارث بالهجرة .
فقال عزّ من قائل :( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ )« 12 » .
وقال :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ )« 13 » إلى آخرها .
هامش
( 1 ) النساء : 7 .
( 2 ) النور : 1 .
( 3 ) الأنفال : 75 .
( 4 ) عوالي اللئالي 3 : 491 ، ح 2 . سنن البيهقي 6 : 208 .
( 5 ) سنن البيهقي 6 : 209 .
( 6 ) سنن البيهقي 6 : 209 . تلخيص الحبير 3 : 79 ، ح 1342 .
( 7 ) منية المريد : 5 فما بعدها .
( 8 ) الدرّ المنثور 2 : 438 - 439 ، تفسير القرطبي 5 : 46 .
( 9 ) النساء : 7 .
( 10 ) النساء : 11 ، 33 .
( 11 ) الأنفال : 75 .
( 12 ) النساء : 11 ، 33 .
( 13 ) الأنفال : 72 .